حياة الصحابة
للكاندهلوى
كتاب تعرض فيه المؤلف لمجمل الفترة التي عاشها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة الرسول صلى الله
عليه وسلم أولا لهم ثم انطلاقهم بعد ذلك للدعوة وحبهم لهذا العمل، وهجرتهم، وجهادهم،
وصبرهم، وإنفاقهم، وإيثارهم وغير ذلك من صفاتهم الحميدة من خلال روايات مسندة
أوردها المصنف في كتابه
{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ }
اسم الكتاب حياة الصحابة { رضى الله عنهم } للكاندهلوى الجزء 185
تأخير المسور إماماً لا يفصح بكلامه ورضي عمر بذلك
وأخرج عبد الرزاق والبيقي عن عبيد بن عمير رضي الله عنه قال: اجتمعت جماعة في بعض ما حول مكة وفي الحج، فحانت الصلاة، فتقدَّم رجل من آل أبي السائب المخزومي رضي الله عنه أعجمي اللسان، فأخِّره المِسْوَر بن مَخْرمة رضي الله عنه وقدَّم غيره، فبلغ عمر بن الخطاب فلم يعرِّفه بشيء حتى جاء المدينة، فلما جاء المدينة عرّفه بذلك فقال المِسْوَر: انظرْني يا أمير المؤمنين، إن الرجل كان أعجمي اللسان وكان في الحج، فخشيت أن يسمع بعض الحجاج قراءته فيأخذ بعجمته، فقال: أوَ هنالك ذهبت؟ قال: نعم، قال: أصبت، كذا في الكنز .
قول طلحة بن عبيد الله لجماعة صلّى بهم: أرضيتم بصلاتي
وأخرج الطبراني عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنه صلّى قوم، فلما انصرف قال: إني نسيت أن أستأمركم قبل أن أتقدَّم، أرضيتم بصلاتي؟ قالوا: نعم، ومن يكره ذلك يا حَواريَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيما رجل أم قوماً وهم له كارهون لم تَجُزْ صلاته أذنيه» قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير من رواية سليمان بن أيوب الطلْحي قال فيه أبو زرعة: عامة أحاديثه لا يتابَع عليها، وقال صاحب الميزان: صاحبُ مناكير وقد وُثِّق.
مخالفة أنس لعمر بن عبد العزيز ومخالفة أبي أيوب لمروان في الصلاة
وأخرج أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه كان يخالف عمر بن عبد العزيز، فقال له
عمر: ما يحملك على هذا؟ فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلِّي صلاة،
متى توافقها أصلِّي معك، ومتى تخالفها أصلِّي وانقلب إلى أهلي؛ قال الهيثمي : رواه
أحمد رجاله ثقات. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب رضي الله عنه أنه كان يخالف مروان بن
الحكم في صلاته، فقال له مروان: ما يحمك على هذا؟ قال: إني رأيت النبي صلى الله
عليه وسلم يصلِّي صلاة، إن وافقتَه وافقتك، وإن خالفتَه صلَّيت وانقلبت إلى أهلي.
قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات.
قول أبي هريرة وأنس وعدي في صلاة الصحابة خلفه عليه السلام
وأخرج أحمد عن أبي جابر
الوالدي قال: قلت لأبي هريرة رضي الله عنه: هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يصلّي بكم؟ قال: وما أنكرتم من صلاتي؟ قلت أردت أن أسأل عن ذلك، قال: نعم، وأوجز.
قال: وكان قيامه قدر ما ينزل المنارة ويَصلُ إلى الصفّ، قال الهيثمي : رواه أحمد.
وله في رواية: رأيت أبا هريرة صلَّى صلاة تجوَّزَ فيها، رواه أحمد وروى أبو يعلى
الأول ورجالهما ثقات. وأخرج أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لقد كنا نصلِّي
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لو صلاّها أحدكم اليوم لعبتموها عليه؛ قال
الهيثمي : رواه أحمد ورجاله ثقات. وأخرج الطبراني عن عدي بن حاتم رضي الله عنه
أنَّه خرج إلى مجلسهم، فأقيمت الصلاة، فتقدم إمامهم فأطال الصلاة في الجلوس، فلما
انصرف قال: من أمَّنا منكم فليتم الركوع والسجود، فإن خلفه الصغير والكبير والمريض
وابن السبيل وذا الحاجة، فلما حضرت الصلاة تقدَّم عدي بن حاتم وأتم الركوع والسجود
وتجوَّز في الصلاة، فلما انصرف قال: هكذا كنا نصلِّي خلف رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال الهيثمي : رواه الطبراني في الكبير بطوله وهو عند الإمام أحمد باختصار
ورجال الحديثين ثقات. انتهى.
بكاء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الصلاة
بكاؤه عليه السلام في الصلاة
أخرج أبو يعلى عن عائشة
رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت فيناديه بلال ــــ رضي
الله عنه ــــ بالأذان، فيقوم فيغتسل فإني لأرى الماء ينحدر على خده وشعره، ثم
يخرج فيصلِّي فأسمع بكاءه ــــ فذكر الحديث. قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح.
وأخرج ابن حِبّان في صحيحه عن عبيد بن عمير أنه قال لعائشة: أخبرينا بأعجب شيء
رأيتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فسكتت ثم قالت: لمَّا كانت ليلة من
الليالي قال: «يا عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي» قلت: والله إني أحب قربك وأحب ما
يسرك، قالت: فقام فتطهَّر ثم قال يصلِّي، قالت: فلم يزل يبكي صلى الله عليه وسلم
حتى بلّ حِجْره، قالت: وكان جالساً فلميزل يبكي صلى الله عليه وسلم حتى بل لحيته،
قالت: ثم بكى حتى بل الأرض، فجاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول
الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً
شكوراً؟ لقد أُنزلت عليَّ الليلة آية ويل لمن قرأها ولميتفكر فيها: { إن في خلق
السموات والأرض} (سورة آل عمران، الآية: 190) الآية كلَّها، كذا في الترغيب .
وأخرج أبو داود عن مُطَرِّف عن أبيه رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يصلِّي وفي صدهر أزيز كأزيز الرَّحعى من البكاء. وعند النسائي: ولجوفه
أزيز كأزيز المِرجَل، يعني يبكي. كذا في الترغيب وإسناده قوي وصحَّحه ابن خزيمة
وابن حِبَّان والحاكم.
بكاء عمر رضي الله عنه في الصلاة
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن
منصور وابن أبي شيبة وابن سعد والبيهقي عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: سمعت
نشيج عمر رضي الله عنه وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح وهو يقرأ سورة يوسف حتى
بلغ {إِنَّمَآ أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى إِلَى اللَّهِ} (سورة يوسف، الآية 86) كذا
في نتخب الكنز . وعند أبي نُعيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: صلّيت
خلف عمر فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف.
الخشوع والخضوع في الصلاة
خشوع أبي بكر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما
أخرج أحمد في الزهد عن سهل بن سعد قال: كان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت في
صلاته. كذا في منتخب الكنز . وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن مجاهد عن بن الزبير
رضي الله عنهما أنه كان يقوم في الصلاة كأنه عود، وكان أبو بكر رضي الله عنه يفعل
ذلك، قال مجاهد: هو الخشوع في الصلاة. كذا في منتخب الكنز . وأخرجه أبو نُعَيم في
الحلية بإسناد صحيح، كما في الإصابة عن مجاهد قال: كان عبد الله بن الزبير إذا قام
في الصلاة كأنه عود، وكان يقال: ذلك من الخشوع في الصلاة. وأخرج أبو نعيم في
الحلية عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير وهو يصلِّي لقلتَ: عصنُ شجرة
يصفِّقها الريح، إن المنجنيق ليقع ههنا وهننا ما يبالي. وعنده أيضاً عن عطاء قال:
كان ابن الزبير إذا صلَّى كأنه كعب راتب. وأخرجه الطبراني في الكبير نحوه قال
الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح.
خشوع ابن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما في الصلاة
وأخرج ابن سعد عن زيد بن
عبد الله الشيباني قال: رأيت ابنعمر رضي الله عنهما إذا مشى إلى الصلاة دبّ دبيباً
لو أن نملة مشت معه قلت لا يسبقها. وأخرج ابنسعد عن واسع بن حِبّان قال: كان ابن
عمر يحب أن يستقبل كلُّ شيء منه القبلة إذا صلَّى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة.
وأخرج أبو نُعيم في الحلية عن طاووس قال: ما رأيت مصلياً كهيئة عبد الله بن عمر
أشد استقبالاً للكعبة بوجهه وكفيه وقدميه. وعنده أيضاً عن أبي بُرْدة قال: صلّيت
إلى جنب ابن عمر فسمعته حين سجد وهو يقول: اللهمَّ اجْعَلْكَ أحبَّ شيء إليَّ،
وأخشى شيء عندي، وسمعته يقول في سجوده: ربِّ بما أنعمت عليَّ فلن أكون ظهيراً
للمجرمين، وقال: ما صلّيت صلاة منذ أسلمت إلا وأنا أرجو أن تكون كفّارة. وأخرج
الطبراني في الكبير عن الأعمش قال: كان عبد الله رضي الله عنه إذا صلَّى كأنه ثوب
مُلقىً. قال الهيثمي ورجاله موثَّقون والأعمش لم يدرك بن مسعود.
زجر أبي بكر رضي الله عنه لزوجته أم رومان لميلها في الصلاة
وأخرج ابن عدي وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن أم رومان قالت: رآني أبو بكر رضي
الله عنه أميل في الصلاة فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي، ثم قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا قام أحدكم في الصلاة فليسكِّن أطرفه ولا يميِّل ميل
اليهود، فإن تسكين الأطراف من تمام الصلاة». كذا في الكنز .
اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالسنن الرواتب
قول عائشة رضي الله عنها في سنن النبي عليه السلام
أخرج مسلم عن عبد الله بن
شقيق قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التطوع،
فقالت: كان يصلِّي قبل الظهر أربعاً في بيتي، ثم يخرج فيصلِّي بالناس، ثم يرجع إلى
بيتي فيصلِّي ركعتين. وكان يصلِّي بالناس المغرب ثم يرجع إل بيتي فيصلِّي ركعتين.
وكان يصلِّي بهم العشاء ثم يدخل بيتي فيصلِّي ركعتين. وكان يصلِّي من الليل تسع
ركعات فيهن الوتر؛ وكان يصلي ليلاً طويلاً قائماً وليلاً طويلاً جالساً، فإذا قرأ
وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع
الفجر صلَّى ركعتين ثم يخرج فيصلِّي بالناس صلاة الفجر، انفرد بإخراجه مسلم. كذا
في صفة الصفوة ، وأخرجه أبو داود والترمذي بعضه. كما في جمع الفوائد .
شدة اهتمامه عليه السلام بصلاة ركعتين قبل صلاة الصبح
وأخرج الشيخان وغيرهما عن
عائشة قالت: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه
على ركعتي الفجر. وفي رواية لابن خزيمة: قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر ولا إلى غنيمة: كذا في
الترغيب . وأخرج البخاري عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدع أربعاً
قبل الظهر وركعتين قبل الغداة. وأخرج أبو داود عن بلاد رضي الله عنه أنه أتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم ليؤذِنه بصلاة الغداة فشغلت عائشة رضي الله عنها بلالاً
بأمر سألته عنه حتى سألته عنه حتى فضحه الصبح، فأصبح جداً، فقام بلال فآذنه
بالصلاة وتابع أذانه فلم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما خرج صلَّى بالناس
وأخبره أن عائشة شغلته بأمر سألته عنه حتى أصبح جداً وأنه أبطأ عليه بالخروج،
فقال: «إني كنت ركعت ركعتي الفجر» فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك
أصبحت جداً، قال: «لو أصبحت أكثر مما أصبحت لركعتهما وأحسنتهما وأجملتهما»:
وإسناده حسن كما قال النووي في رياض الصالحين (ص416).
شدة اهتمامه عليه السلام لصلاة أربع ركعات قبل فريضة الظهر
وأخرج ابن ماجه عن قابوس
عن ىبيه قال: أرسل أبي إلى عائشة: أيُّ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحب
إليه أن يواظب عليها؟ قالت: كان يصلِّي أربعاً قبل الظهر يطيل فيهن القيام ويحسن
فيهن الركوع والسجود. وقابوس هو ابن أبي ظَبيان وُثِّق وصحَّح له الترمذي وابن
خزيمة والحاكم، لكن المُرسَل إلى عائشة مبهم. كذا في الترغيب . وأخرج أحمد
والترمذي عن عبد الله بن السائب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يصلِّي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر وقال: «إنها ساعة تفتح فيها أبواب
السماء فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح» قال الترمذي: حديث حسن غريب. كذا في
الترغيب . وأخرج الترمذي (ص75) عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه
وسلم يصلِّي قبل الظهر أربعاً وبعدها ركعتين. وأخرج أيضاً عن عائشة رضي الله عنها
ــــ وحسَّنه ــــ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا لم يصلِّ أربعاً قبل الظهر
صلاهن بعدها. وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط عن أبي أيوب رضي الله عنه لمَّا
نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ رأيته يديم أربعاً قبل الظهر، وقال: «إنه
إذا زالت الشمس فتحت أبواب السماء، فلا يغلق منها باب حتى تصلَّي الظهر، فأنا أحب
أن يرفع لي في تلك الساعة خير». كذا في الترغيب والكنز .
صلاته عليه السلام قبل العصر وبعد المغرب
وأخرج الترمذي (ص58) ــــ
وحسَّنه ــــ عن علي رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي قبل
الصعري أربع ركعات، يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقرَّبين ومن تبعهم من
المسلمين والمؤمنين. وأخرج أبو داود عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يصلِّي قبل العصر ركعتين، وإسناده صحيح كما في الرياض (ص419)، وأخرجه أبو يعلى
والطبراني في الكبير والأوسط عن يمونة رضي الله عنها مثل حديث