الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم
الجزء الثالث
والإنسان إذا سلم قلبه من الحقد على الناس وسلم لسانه من الخوض في أعراضهم كان أدعى إلى أن يُوفق إلى حسن الخاتمة، وقد كان عندنا في المدينة -مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم- رجلٌ يمني، وهذا من دلائل حسن الخاتمة، وقد ذكرت هذا في بعض المحاضرات، كان رجلٌ يمني ليس له علاقة بالناس، يدخل إذا جاء وقت الصلوات ويخرج وليس له أي ارتباط بالناس، وكان لا يقرأ ولا يكتب، فكان إذا دخل المسجد يأتي لأي إنسان ليس عنده شيء –يعني خالٍ- فيأخذ مصحفًا ويُعطيه للرجل الخالي ويقول: اقرأ عليَّ من كلام ربي ويستمع، والناس يعرفونه خاصةً من يُكثر الصلاة في الحرم , فيأتي على هذه الطريقة سنين، حتى كان عام 1418هـ دخل الحرم فرأى رجلا خاليًا فأخذ مصحفًا كالعادة وأعطاه للرجل هذا وقال اقرأ عليَّ من كلام الله، فلما قال له اقرأ عليَّ من كلام الله مرَّ بآية سجدة، لما مرَّ بآية سجدة سجد الاثنان القارئ والأخ اليمني، فانتهى القارئ من التسبيح ورفع رأسه وبقي الأخ اليمني ساجدًا وقبضه الله جلّ وعلا وهو ساجدًا، فمات في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هيأة ليس بعدها ولا أشرف منها هيأة وهي هيأة السجود لرب العالمين.
نحن نتكلم عن الظاهر، أما سريرته فأمرها إلى الله، لا نحكم لأحدٍ بجنةٍ ولا نار، لكن أقول هذا عُبيد الله بن جحش يأخذ زوجته ويفر من مكة إلى الحبشة بدينه ثم يتنصر، ثق تمامًا أنه لا يهلك على الله إلا هالك، دواخل القلوب هي من أعظم أسباب سوء الخاتمة، لكن الله جلّ وعلا أكرم وأرحم أن يكون أحدٌ صادق معه ثم إن الله جلّ وعلا يقدر ويُميته ميتة السوء، لكن من صدقت سريرته تصدق خاتمته، ومن صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، أعيد، من صدق إلى الله فراره صدق مع الله قراره، من صدق إلى الله فراره -أي صادق في أوبته إلى الله- صدق مع الله قراره، أي يبقى مع ربه جلّ وعلا، المقصود بيبقى مع ربه يعني في إيمانه بربه تبارك وتعالى.
فلما مات زوجها وتنصر –أي أم حبيبة- أكرمها النبي صلى الله عليه وسلم بأن طلبها وخطبها وتزوجها عليه الصلاة والسلام وسيقت له من الحبشة.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وكانت قبله عند أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، توفيت سنة اثنتين وستين، ودفنت بالبقيع بالمدينة، وهي آخر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وفاة، وقيل: إن ميمونة آخرهن )
هذه أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها، لما مات زوجها استرجعت، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واعوضني خيرًا منها، وكانت تقول في نفسها من يخلفني في أبي سلمة، فلما مات خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فاعتذرت بثلاث حجج، اعتذرت بأنها مُصبِية -أي لديها صبيان كثيرون-، وأنها غيرة –أي شديدة الغيرة-، وأنها ليس لها عائلٌ يزوجها، فأما التزويج فاختلف في من زوجها وقيل عمر بن الخطاب، وأما كونها مُصبية فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( هم إلى الله وإلى رسوله )، وأما أنها غيره فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( أنا أسأل الله أن يذهب غيرتك )، فتزوجها عليه الصلاة والسلام , وابنها عمرو بن سلمة الذي طاشت يده بالصفحة وقال عليه الصلاة والسلام له ( يا غلام سم الله كل بيمينك وقل مما يليك ) ابن أم سلمة، وعمر هذا ربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني من تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم من أبنائها عمر فكان يأكل النبي عليه الصلاة والسلام فطاشت يده في الصفحة، وأنت تسمع هذا الحديث بكثرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( يا غلام سم الله كل بيمينك وقل مما يليك )، هذا قاله لربيبه عمر بن أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينب بنت جحش بن رئاب بن يَعْمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعَد بن عدنان، وهي بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فطلقها، فزوجها الله إياه من السماء، ولم يعقد عليها، وصح أنها كانت تقول لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: " زوجكن آباؤكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات ". توفيت بالمدينة سنة عشرين، ودفنت بالبقيع )
هذه زينب بنت جحش التي قالت مُفتخرةً "زوجكن أهليكن وزوجني الله جلّ وعلا من فوق سبع سماوات"، هذه باختصار زينب، النبي عليه الصلاة والسلام كان قبل البعثة تبنّى زيد بن حارثة، فكان يُسمّى عند الناس زيد بن محمد، فلما قال الله جلّ وعلا ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [الأحـزاب: 40]، وقال ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [الأحـزاب: 5] أصبح يُدعى زيد بن حارثة باسمه الحقيقي.
زيدٌ هذا تزوج زينب بنت جحش ابنة عم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما تزوجها كانت ترى في نفسها أنها أعلى منه لأنه هو مولى وهي قرشية، فأخبر الله نبيه أن زينب هذه التي هي الآن تحت زيد ستصبح زوجةً لك، أعيد لأن هذه آية شغب حولها المُستشرقون كثيرًا، الله جلّ وعلا أخبر نبيه وزينب تحت زيدٍ أنها ستكون زوجته، فجاء زيدٌ يشتكي زوجته زينب إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال له عليه الصلاة والسلام ( اتق الله وأمسك عليك زوجك )، فقال الله جلّ وعلا في كتابه ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ﴿36﴾ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿37﴾ ﴾ [الأحـزاب: 36، 37]. من القائل؟ النبي صلى الله عليه وسلم، من الذي أنعم الله عليه وأنعم عليه الرسول؟ زيد، ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ ﴾ ما الذي أخفاه في نفسه صلى الله عليه وسلم؟ أنها ستكون زوجتك، ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾ ما معنى ﴿ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾؟ الذي سيظهره الله وسيقع وسيكون وهو زواجك من زينت، ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ تخشى الناس في ماذا؟ تخشى الناس أن يقولوا تزوج محمدٌ ابنة
ابنه، ابنة ابنه على ما كانوا يعتقدونه في الجاهلية. ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ ﴾ وليس في القرآن ذكرٌ لأحدٍ من الصحابة إلا زيد، وليس في القضية فضلٌ في ذاته، وإنما القضية قضية حادثة عين، فلابد أن يُذكر باسمه حتى ينجلي ما في القلوب، وإلا أبو بكرٍ وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من زيد على فضل زيدٍِ لم يُذكر اسمهم صراحة في القرآن، لم يُذكر في القرآن إلا النبيون وثلاث أو أربعة اختلف فيهم كلقمان وعيسى بن مريم لحادثة عينٌ به هو، والنساء لم يُذكر في القرآن إلا مريم ابنة عمران لشرفها وفضلها، والمقصود هذا معنى قول الله جلّ وعلا ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا ﴿37﴾ ﴾. هذا ما يتعلق بزينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وكانت تسمى "أم المساكين"؛ لكثرة إطعامها المساكين، وكانت تحت عبد الله بن جحش، وقيل: عبد الطفيل بن الحارث، والأول أصح. وتزوجها سنة ثلاث من الهجرة، ولم تلبث عنده إلا يسيرًا: شهرين أو ثلاثة )
لم تلبث زينب بنت خزيمة بن الحارث عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا شهرين، وورد في بعض الروايات أنها لبثت عنده ثمانية أشهر، وكونها لم تلبث مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذه المدة اليسيرة لذلك المصادرالتاريخية شحيحة بالكثير من أخبارها، لكن أنت كطالب علم تضمها مع من الآن؟ تضمها مع خديجة لأنها هي وخديجة فقط اللتان ماتتا في عصمته صلى الله عليه وسلم أو في حياته صلى الله عليه وسلم، أما باقي أمهات المؤمنين كلهم ماتوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، أما زينب هذه وخديجة ماتتا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب ابن عائذ بن مالك بن المصطلق الخزاعية، سُبِيت في غزوة بني المصطلق، فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها، وتزوجها في ست من الهجرة، وتوفيت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ).
هذه جويرية بنت الحارث الخزاعية، سُبيت في بني المصطلق وكان أبوها زعيمًا، فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم تريد أن تدفع ثمن لتخرج من الأسر، جمعت يسيرًا بقي عليها، ودخلت على النبي عليه الصلاة والسلام تطلب منه زيادة مال، فلما رآها جعلها الله جلّ وعلا يطلبها على أنه يساعدها ويتزوجها فوافقت رضي الله عنها وأرضاها، فتزوجها، فلما علم الصحابة أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها تركوا من بأيديهم من الأسرى من بني المصطلق، فكانت امرأة عظيمة البركة على قومها، ثم جاء أبوها الحارث إلى النبي عليه الصلاة والسلام يطلبها فخيرها النبي عليه الصلاة والسلام ما بين البقاء معه أو بين أن تذهب مع أبيها فاختارت البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أسلم الحارث بعد ذلك وجعله النبي عليه الصلاة والسلام على صدقات قومه.
تـابع ذكـر أزواجه - خدمـه - أفراسـه صلى الله عليه و سلم :
كنا قد انتهينا في ذكر أزواجه صلوات الله وسلامه عليه، وتكلمنا عن أكثرهن، ولم يبق لنا إلا الحديث عن زوجتين من أزواجه رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: صفية بنت حيي بن أخطب بن أبي يحيى ابن كعب بن الخزرج النضرية، من ولد هارون بن عمران – أخي موسى بن عمران عليهما السلام – سُبيت في خيبر سنة سبع من الهجرة، وكانت قبله تحت كنانة ابن أبي الحقيق، قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعتق صفية، وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ثلاثين. وقيل سنة خمسين )
هذه صفية بنت حيي بن أخطب زوجة نبينا صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين، حيي ابن أخطب أحد زعماء يهود، ولما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة رآه حُيَيٌّ فعرف أنه نبيٌّ، واليهود كانت تعرف النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما قرأت عنه في التوراة، وهي حدثت بعد ذلك –أي صفية– أن أباها وعمّها التقيا بعد أن رأيا النبي عليه الصلاة والسلام،فقال عمُّها لأبيها: أهو هو؟ –يسأل–، قال: نعم أعرفه بوجهه –أو بنعته–، قال: فما في صدرك له؟، قال: عداوته ما بقيت، وهذا مصداق قول الله جلّ وعلا: ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ﴾ [البقرة: 89]،
وقال تبارك وتعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146، الأنعام: 20]، أي أن أهل الكتاب يعرفون النبي عليه الصلاة والسلام لا يُخطئون في وصفه كما يعرف الرجل منهم ابنه، والرجل عادةً لا يُخطئ في معرفة ابنه. ثم إنه ذهب إلى خيبر في الإجلاء الأول وهو من بني النضير، فلما ذهب إلى خيبر وقعت معركة خيبر كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد أن كانت في سبيه، فأصبحت أمةً له، فأعتقها وجعل عتقها صداقًا لها .
واختلف العلماء رحمهم الله – من باب الفائدة الفقهية – هل يكون العتق صداقًا أو لا؟
منهم من قال: إن هذا خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: إنه غير ذلك، والذي يعنينا في شرح السيرة هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقها، وجعل عتقها صداقها سواءٌ كان هذا خاصًا به أو كان شاملا لأمته.وقد كانت جميلةً رضي الله عنها وأرضاها، وهي من ولد هارون بن عمران أخي موسى ـ على موسى وعلى هارون السلام ـ ، وقد أغضبتها بعض أمهات المؤمنين – وقد مر معنا هذا في الدرس الأول– فجاءت للنبي عليه الصلاة والسلام تبكي فقال لها عليه الصلاة والسلام ( بم تفخر عليك، فإنك ابنة نبي، وعمك نبي ) يقصد موسى ( وإنك لتحت نبي ) يقصد نفسه عليه الصلاة والسلام.ولما تزوجها عليه الصلاة والسلام في منصرفه من خيبر أراد أن يدخل عليها على مقربة من خيبر فامتنعت وأبت، ثم لما تقدم قليلا نحو المدينة قبلت ودخل عليها صلى الله عليه وسلم، فسألها عن المانع الأول فقالت: "خشيت عليك من اليهود"، مما يدل على أنه وقر في قلبها محبة الدين ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خشي أبو أيوب الأنصاري على نبينا عليه الصلاة والسلام يوم أن دخل عليها فبات يحرصه خوفًا أن يكون بها شيءٌ من غدر يهود وهو لا يعلمها، ثم تبين مدى حبها لنبينا صلى الله عليه وسلم وحسن إسلامها، وبقيت كذلك حتى توفاها الله جلّ وعلا، فهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة رضي الله عنها وأرضاها.
( وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم: ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير ابن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة بن معاوية، وهي خالة خالد بن الوليد، وعبدالله بن عباس، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسرف، وبنى بها فيه، وماتت به، وهو ماء على تسعة أميال من مكة، وهي آخر من تزوج من أمهات المؤمنين، توفيت سنة ثلاث وستين.فهذه جملة من دخل بهن من النساء، وهن إحدى عشرة، وعقد على سبع ولم يدخل بهن ).
هذه ميمونة بنت الحارث الهلالية أخت أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، فالعباس رضي الله عنه وأرضاه عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منها الصلاة والصيام والقيام؛ فأشار على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها، وهي أخت زوجته، أخت أم الفضل، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مُنصرفه من عمرة القضاء في وادٍ يُقال له سَرف على وزن كَتف، وهو وادٍ في مكة، في طريق المدينة
الخارج من مكة إلى المدينة بعد النوارية بقليل يأتي وادي سرف، وهو الآن معمور به بقالات ومحطات تأتي على يمنك وشمالك، هذا الوادي هو وادي سرف الذي تزوج فيه النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.
وكان من فائدة زواجه بها بالنسبة للأمة أن عبد الله بن عبّاس رضي الله تعالى عنهما تُصبح هذه المرأة خالته فكان يبيت عندها، فإذا بات عندها يرى قيام النبي صلى الله عليه وسلم، فنقل عبد الله بن عبّاس كثيرًا من أخبار النبي عليه الصلاة والسلام لكونه يستطيع أن يدخل على خالته ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
وقد ذكر المصنف أنها آخر أمهات المؤمنين موتًا –هذا على قول–، والقول الثاني أن آخر أمهات المؤمنين موتًا هي أم سلمة، إذًَا هناك خلاف في آخر أمهات المؤمنين موتًا هل هي ميمونة أو هي أم سلمة رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن، هذا علمٌ تاريخي لا يتعلق به حكم، كما أنهم اتفقوا على أن زينب بنت جحش هي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم موتًا بعده، ماتت بعد عشرين سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم، فهي أول نسائه لحوقًا به عليه الصلاة والسلام.
يتحرر من هذا كله أمهات المؤمنين، وقد ذكر المصنف في آخر المقال أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على سبعٍ ولم يدخل بهن، وهذا بعيدٌ بعض الشيء، والأشهر أنه على خمس أو أربع ولم يدخل بهن، منهن من استعاذت به ـ ولعل الأصح "استعاذت منه"، فقد ثبت عند البخاري ومسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ
سَعْدٍ قَالَ : ( ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَدِمَتْ فَنَزَلَتْ فِي أُجُمِ بَنِي سَاعِدَةَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَاءَهَا فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَإِذَا امْرَأَةٌ مُنَكِّسَةٌ رَأْسَهَا فَلَمَّا كَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ قَالَ قَدْ أَعَذْتُكِ مِنِّي...) ـ ومنهن من وجد في كشحها بياضًا، وأخريات لم تثبتهن كتب المصادر إثباتًا جيدًا، لكن الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسعٍ من النساء، وكان يقسم –كما قلنا بالأمس– لثمان، لماذا؟ قلنا أن سودة وهبت ليلتها لعائشة رضي الله تعالى عنهن جميعًا وأرضاهن.
في عصرنا الحديث ما شغّب المُستشرقون والطاعنون بالسنة في شيء كما شغّبوا في قضية أن النبي صلى الله عليه وسلم كيف يتزوج هذا العدد من النساء؟
وهذا مما يطول شرحه لكن نقوله على وجه الإجمال، لو كان النبي عليه الصلاة والسلام يريد ما يفهمه الناس من زواجه من النساء لكان إلى الأبكار أقرب منه إلى الثيب، ومع ذلك لم يتزوج بكرًا إلا عائشة، ولم يُثني –يتزوج الثانية– إلا وقد جاوز الخمسين صلوات الله وسلامه عليه، وعاش قرابة ثلاثين عامًا مع زوجته خديجة وهي أكبر منه سنُّا ولم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، وإنما تزوج لأمورٍ متعددة وأغراضٍ، منها ما يكون إبطالا لحكم جاهلي كزواجه من زينت، ومنها ما يكون نصرةً للدين، فإن العرب في عادتها وأعرافها السابقة كانت ترى أن الصهر يقرب بين بطون القبائل، فكان صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة له خصوم وأعداءٌ في القبائل فكان يتزوج حتى يكسر ثورة غضب واجتماع القبائل عليه حتى يكون له عندهن رحمًا وصهرا فيكون هناك نوع من الحمية بالنسبة لهن أن بناتهن تحت نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
ثم إننا نقول إن هؤلاء الأمهات رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن صبرن على شظف العيش، فليس في الزواج منه صلى الله عليه وسلم متاعٌ دُنيويٌّ ظاهرٌ، وإنما المكسب العظيم في أنهن زوجاته في الآخرة، ولذلك كان بيت النبي عليه الصلاة والسلام لو رفعت يدك للمست سقفه، ولو اتكأت على أحد حائطه ومددت قدمك للمست الحائط الآخر من ضيق حجرات أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن وأرضاهن.
ثم إنهن كما قال الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴿28﴾ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 28، 29]، فالنبي عليه الصلاة والسلام خيّر نساءه ما بين البقاء معه والصبر على شظف العيش في الدنيا؛ لأن الله خيره هو نفسه من أن يكون ملكًا نبيًّا أو عبدًا نبيًّا فاختار العبودية، ولم يختر الملك كما اختارها داود واختارها سليمان عليهما السلام، فبقي صلى الله عليه وسلم عبدًا يشبع ويجوع، ويمرض ويصح، وتجري عليه أحكامٌ عديدة عليه الصلاة والسلام حتى أنه كان يظهر الهلال ثلاث مرات في الشهرين الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يُوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم شيءٌ، فهو أكرم الخلق على الله، فلما سُئلت عائشة عن ذلك –عن طعامهم– قالت "الأسودان، التمر والماء".
فلم يكن مما قاله المستشرقون شيء، وإنما صبرن أولئك الأمهات وقدمن نماذج إنسانية فريدة، ومنهن من اشتهرت بالصلاة والصيام، ومنهن من اشتهرت بحب المساكين، ومنهن من اشتهرت بالعلم، تنوع عطاؤهن حتى يستفيد المجتمع من قربهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنزل الوحي،
ولذلك قال حسان يذكر حجرات أمهات المؤمنين ونزول الوحي عليها:
بها حجرات كان ينزل وسطه
من الله نور يستضاء ويوقد
فخرجن أمهات المؤمنين يُحدثن بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيوتهن، هذا ما يمكن التعليق عليه إجمالا، ونحن كما قلت من قبل مُقيدون بالمتن حول زواجه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم من أمهات المؤمنين.
ذكر خدمه صلى الله عليه وسلم :
(أنس بن مالك بن النضر الأنصاري.وهندٌ وأسماءٌ ابنا حارثة الأسلميان. وربيعة بن كعب الأسلمي.
وكان عبد الله بن مسعود صاحب نعليه،، كان إذا قام ألبسه إياهما، وإذا جلس جعلهما في ذراعيه حتى يقوم. وكان عقبة بن عامر الجهني صاحب بغلته، يقودها في الأسفار.وبلال بن رباح؛ المؤذن. وسعد، مولى أبي بكر الصديق.وذو مِخمر ابن أخي النجاشي، ويقال: ابن أخته. ويقال: ذو مخبر بالباء.وبكير بن شداخ الليثي، ويقال: بكر. وأبو ذر الغفاري ).
هؤلاء هم خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أنهم قد أصابهم من الشرف ما لا يعلم قدره إلا الله، فإن الله سخرهم رضي الله عنهم وأرضاهم ليكونوا خدمٌ لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وقد علموا أيَّ شرفٍ يكتسبوه، فلذلك كانوا يفتخرون رضي الله عنهم بأنهم كانوا يخدمون النبي صلى الله عليه وسلم، فخدمته عليه الصلاة والسلام شرفٌ عظيم، وهؤلاء يتفاوت المهام التي أوكلها النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، والعاقل إذا تبوأ مكانةً يختلف اصطفاؤه للرجال من واحدٍ إلى آخر، فليس كل الناس يصلح لمهمةٍ واحدة، فقد يُحسن الرجل مهمة ولا يحسن أخرى، ولذلك تفاوتت مهام خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.فأما أنس فهو الذي جاءت به أمه وجعلته وهو صغير ووهبته للنبي صلى الله عليه وسلم أن يكون خادمًا له، وقد دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بكثرة المال والولد فتحققت دعوته عليه الصلاة والسلام لأنس، ولما جاءت خلافة عبد الملك بن مروان وصلت الحجاج بن يوسف على مكة والمدينة آذى الحجاج بن يوسف أنسًا، فكتب أنسٌ رضي الله عنه إلى عبد الملك –وكان يومئذٍ أميرًا للمؤمنين– يشكو تسلط الحجاج بن يوسف عليه، وكان فيما كتبه أنس قال "لو أن رجلا من بني إسرائيل خدم موسى يومًا لعظمته بني إسرائيل، فكيف وقد خدمتُ نبينا صلى الله عليه وسلم عشر سنين"، فبعث عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكف يده عن أنس.هذا أنسٌ رضي الله تعالى عنه، وقد كان أنس من مهامه يذهب في الحوائج اليومية، يغدو ويروح في الحوائج اليسيرة، وقد نقل لنا أنسٌ ما كان عليه الصلاة والسلام من خلق فقال "خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين فلم يقل لشيءٍ لم أفعله لِمَ لَمْ تفعله، ولا لشيءٍ فعلته لم فعلته"، وهذا من جميل خلقه وكريم أدبه، وحسن معاملته صلى الله عليه وسلم من الأهل والخدم والموالي وسائر الناس.
وممن خدمه عليه الصلاة والسلام عقبة بن عامر، وهذا كان يقود له البغلة، وهو الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم في أحد أسفاره لما هبت ريح أمره أن يتعوذ بالمعوذتين ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ و﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ وقال ( ما تعوّذ مُتعوِّذٌ بمثلهما ).
ومنهم بلال وهو مؤذنه، وهذا مشهور.ومنهم ربيعة بن كعب الأسلمي وكان من مهامه أنه يضع الوَضوء للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان يفعل هذا تطوعًا، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكافئه فقال ( يا ربيعة سلني حاجتك ) ، قال: يا رسول الله أسألك مرافقتك في الجنة، ولقد وجد ربيعة من الشرف والحَظْوَة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والفخر بخدمته له في الدنيا ما جعله يتطلع لأن يكون رفيقه في الجنة، فقال له صلى الله عليه وسلم ( فأعني على نفسك بكثرة السجود )، فدل على أن كثرة الصلوات مما تجعل العبد قريبًا من جوار نبينا عليه الصلاة والسلام.
ومن خدمه عليه الصلاة والسلام بُكير بن شدّاخ الليثي، وكان صغيرًا، وقد نقل الحافظ ابن كثيرٍ رحمه الله تعالى عنه قصةً مفادها أن بكيرًا هذا كان يبعثه النبي عليه الصلاة والسلام إلى بيوت أمهات المؤمنين، فلما بلغ واحتلم جاء للنبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله إنني بلغت مبلغ الرجال فلا تبعث بي إلى
نسائك، فتعجب النبي صلى الله عليه وسلم من صدقه، وقال له ( اللهم صدّق قوله وبلغه الظفر )، فكانت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مُتحققة فيه، فلما كانت ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخرج المجاهدون في أصقاع الأرض يحملون لواء الدين، كان ممن خرج أحد الأنصار فترك زوجته، وكأن الأنصاري هذا أوصى بكيرًا بأهل بيته، فكان هناك يهودي يأتي إلى تلك المرأة ويراودها عن نفسها، فقام بكيرٌ فقلته.فلما قتله وُجد هذا اليهودي مُلقًا في أحد أحياء المدينة مدرجًا في دمائه فحُمل، فقام عمر رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين على المنبر فخطب خطبةً ثم قال: أنشد الله كل رجلٍ يعرف عن هذا القتيل شيئًا إلا أخبرنا، فقام بكيرٌ والناس يسمعون وقال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين، فتعجب عمر من صراحته وجرأته، قال: ما دفعك إلى هذا؟ فأخبره القصة، فتذكر عمر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فتركه ولم يصنع به شيئًا إكرامًا لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأنه جعل دم اليهودي في هذه الحالة أنه مُهدر.والذي يعنينا أن بكيرًا هذا خدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو صغير، فهؤلاء جميعًا رضي الله عنهم وأرضاهم شرفوا بخدمة سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه.
ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم:
(زيد بن حارثة بن شُراحيل الكلبي، وابنه أسامة بن زيد، وكان يقال لأسامة بن زيد: الحب بن الحب.
وثوبان بن بجدد؛ وكان له نسب في اليمن.وأبو كبشة من مُولدي مكة. يقال: اسمه سُليم، شهد بدرًا، ويقال: كان من مُولدي أرض دوس.وأنسةُ مُولدي السراة.وصالح، شقران. ورباح، أسود. ويسارٌ، نوبي.وأبو رافع، واسمه أسلم. وقيل: إبراهيم، وكان عبدًا للعباس، فوهبه للنبي صلى الله عليه وسلم فأعتقه.وأبو مويهبة، من مُولدي مزينة. وفضالة، نزل بالشام.ورافع كان لسعيد بن العاص فورثه ولده، فأعتقه بعضهم، وتمسك بعضهم، فجاء رافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستعينه، فوُهب له، وكان يقول: أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومِدعم، أسود، وهبه له رفاعة بن زيد الجذامي، وكان من مولدي حِسمي، قتل بوادي القرى.
وكركرة، كان على ثقل النبي صلى الله عليه وسلم.وزيد، جد هلال بن يسار بن زيد، وعُبيد.وطهمان، أو كيسان، أو مهران، أو ذكوان، أو مروان.ومأبور القبطي، أهداه المقوقس.وواقد، وأبو واقدٍ، وهشام، وأبو ضميرة، وحنين، وأبو عسيب، واسمه أحمر، وأبو عبيد.وسفينة كان عبدًا لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم حياته، فقال: لو لم تشترطي علي ما فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هؤلاء المشهورون، وقيل: إنهم أربعون.
ومن الإماء: سلمى أم رافع، وبركة أم أيمن، ورثها من أبيه، وهي أم أسامة بن زيد، وميمونة بنت سعدٍ، وخضرة، ورضوى )
ذكر المصنف هنا موالي النبي صلى الله عليه وسلم، والمولى في اللغة تُطلق على أربعة أو أكثر –وهذا من الفوائد–:
• تُطلق على السيد، فتقول للغلام: أين مولاك؟
• وُتطلق على العبد إذا أُعتق فيُصبح ولاؤه لسيده، فيُقال له: مولى بني فلان، أي أن ولاءه لهم، كان عبدًا عندهم ثم أُعتق، وهذه هي التي أرادها المصنف حينما قال ( ذكر مواليه صلى الله عليه وسلم )
• وتُطلق على النصير والظهير، ودليلها من القرآن ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا
مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 11]، أي أن الله نصيرٌ وظهيرٌ للمؤمنين، والكافرين ليس لهم ظهيرٌ ولا نصيرٌ.
• وتُطلق على الرب جل جلاله، ودليلها من القرآن ﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ
أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62]، فمولاهم هنا بمعنى ربهم، ليست بمعنى نصيرهم لأن الله ليس نصيرًا ولا ظهيرًا للكفار.
هذه كفائدة لغوية، أما الموالي المقصود بها هنا من كان عبدًا ثم أُعتق، وقد بدأ المصنف بزيد بن حارثة وابنه أسامة، فأما زيدٌ وأسامة فهما حبَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أسامة حبًّا جمًّا، وأسامة هو الذي طلبت قريشٌ منه أن يتشفع عند النبي عليه الصلاة والسلام فقال له ( أتشفع يا أسامة في حدٍ من حدود الله )، لعلم المخزوميين من قريش بمكانة أسامة عند النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد كان زيدٌ أبوه أبيضًا، وكان أسامة أسمر اللون، فكان هذا يثير التساؤلات عند الناس، وكان هذا يحدث أسًى في قلبه صلى الله عليه وسلم، أي التساؤلات التي يثيرها الناس من كون أسامة يختلف لونه عن لون أبيه، حتى ناما ذات يومٍ بجوار بعضهما وظهرت أقدامهما دون أن تظهر وجوههما فجاء رجلٌ من بني مدلج له علمٌ بالقفاية والأنساب والأثر، فلما نظر إلى قدمي أسامة وقدمي زيد وهو لا يعرف أن هذا أسامة وهذا زيدٌ ابنه، وإنما نظر إلى الأقدام بعضها سمراء وبعضها بيضاء، قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فتهلل وجهه صلوات الله وسلامه عليه وظهر الفرح عليه ودخل على عائشة تبرق أسارير وجهه وهو يقول ( أما علمت أن فلانا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد فقال كذا وكذا )، لأن الإنسان إلى أحب شيئًا أحب ما يتعلق به وأحب ما يفرحه، وإذا أبغض شيئًا –عياذًا بالله– أبغض ما يتعلق به، فكان صلى الله عليه وسلم مُحبًّا لزيدٍ ومُحبًّا لأسامة، فكان يحب أي شيء يدخل الفرح أو يظهر الكرامة أو الفضل لأسامة ولزيدٍ رضي الله تعالى عنهما وأرضاهما.
فهما موالي النبي عليه الصلاة والسلام، وزيدًا كان عبدًا للنبي عليه الصلاة والسلام أهدته إياه زوجته خديجة ثم أعتقه صلوات الله وسلامه عليه.
وممن ذكر المصنف رحمة الله عليه من الموالي سفينة، واسمه على الأشهر مهران، وأما سفينة فلقبٌ قيل إن النبي عليه الصلاة والسلام أطلقه عليه كما رواه الإمام أحمد بسندٍ حسن، كان يحمل المتاع فألقى الصحابة رضي الله تعالى عنهم متاعهم في ردائه، فكأن الرداء حمل أكثر من المعهود، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( بل أنت سفينة )، كناية على أنه يحمل شيئًا غزيرًا، فقال سفينة: فلو أنني حُمِّلت حمل بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو سبعة لحملتها من قول النبي صلى الله عليه وسلم.
سفينة وإذعان الأسد له :
وسفينة هذا أدرك زمن عثمان، وركب البحر فرمت به ألواح البحر، كان مُتكئًا على لوح قارب في البحر فضربتهم الأمواج ورماه البحر إلى أجمة –يعني غابة–، فلما رماه البحر إلى أجمة ضل الطريق فرأى الأسد، فلما أبصر الأسد –والعرب تُسمي الأسد أبا الحارث–، فلما رآه سفينة أخذ ينظر إلى الأسد ويقول: يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطأطأ الأسد رأسه وأقبل على سفينة وحمله على عاتقه وخرج به من الغابة حتى دله على الطريق، ثم رجع قليلا، ثم أقعى على ذنبه، ثم أخذ يهمهم كأنه يودعه،
فهذا كما قال العلماء وحشٌ كاسرٌ وسبعٌ مُفترس لما علم أن الذي بين يديه مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تغير طبعه وتغير حاله، فالمؤمنون أولى أن يكونوا أرق قلوبًا وعاطفة مع بعضهم البعض في المقام الأول، لماذا؟ لأن يجمعني ويجمعك شهادة التوحيد ومحبتنا لرسول صلوات الله وسلامه عليه.
وممن كانوا من موالي النبي صلى الله عليه وسلم كُثر، لكن ذكر المصنف بعضًا منهم، ثم ذكر زيدًا وذكر أسامة وذكر سفينة، وهؤلاء أشهر موالي النبي عليه الصلاة والسلام.
وذكر من النساء أم أيمن، وهي اسمها بركة، وهي إحدى حواضن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها، وهي زوجة زيدٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
ذكر أفراس رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(أول فرس ملكه: السكب، اشتراه من أعرابي من بني فزارة بعشر أواق، وكان اسمه عند الأعرابي الضرس، فسماه السكب، وكان أغر محجلًا طلق اليمين، وهو أول فرس غزا عليه، وكان له سبحة، وهون الذي سابق عليه، فسبق، ففرح به.
والمرتجز: وهو الذي اشتراه من الأعرابي الذي شهد له خزيمة بن ثابت، والأعرابي من بني مرة.وقال سهل بن سعد الساعدي: " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي ثلاثة أفراس: لزاز، والضرب، واللحيف. فأما لزاز: فأهداه له المقوقس، وأما اللحيف: فأهداه له ربيعة بن أبي البراء، فأثابه عليه فرائض من نعم بني كلاب، وأما الضرب: فأهداه له فروة بن عمرو الجذامي.وكان له فرس يقال له: الورد، أهداه له تميم الداري، فأعطاه عمر، فحمل عليه، فوجده يباع.وكانت بغلته الدُلدُل، يركبها في الأسفار، وعاشت بعده حتى كبِرت وزالت [أسنانه]، وكان يجش لها الشعير، وماتت بينبع، وحماره [عُفَير] مات في حجة الوداع.
وكان له عشرون لقحة بالغابة، يراح إليه كل ليلة بقربتين عظيمتين من لبن، وكان فيها لقاح غزار: الحناء، والسمراء، والعريس، والسعدية، والبغوم، واليسيرة، والريا.وكانت له لقحة تدعي بردة، أهداها له الضحاك بن سفيان، كانت تحلب كما تحلب لقحتان غزيرتان.وكانت له مهرة أرسل بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل. والشقراء.وكانت له العضباء، ابتاعها أبو بكر من نعم بني الحريش، وأخرى بثمانمائة درهم، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعمائة درهم، وهي التي هاجر عليها، وكانت حين قدم المدينة رباعية،وهي القصواء والجدعاء، وقد سُبقت، فشق على المسلمين.
وكان له منائح سبع من الغنم: عجرة، وزمزم، وسقيا، وبركة، وورسة، وأطلال، وأطراف.وكان له مائة من الغنم )
هذه الأخبار جملةً بعضها قد لا يكاد يثبت، لكن الذي يعنينا حرص سلف الأمة رضي الله عنهم ورحمهم الله على كل ما يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم، حتى إنهم دوّنوا ما كان يركبه صلى الله عليه وسلم وما كان يملكه من الدواب، وهذا أمرٌ محمودٌ لهم، وقد كان السلف كذلك من عنايتهم بكل ما يتعلق به صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يؤكد ما قلناه من قبل أن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به.
أما ما ذكره المصنف فبالنسبة لك كطالب علمٍ لا يلزم حفظ هذا كله، لكن هو المقصود عندما تتذكر الأحاديث تربط الأحاديث الفقهية أو غير الفقهية بما سمعت الآن في السيرة، فمثلا حديث خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى فرسًا من رجلٍ من بني مرة لم يكن هناك شاهد، فكأنهما اختلفا في أمر فطلب الأعرابي شاهدًا يشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه هذا الفرس، لأن النبي عليه الصلاة والسلام اتفق معه على سعر، ثم أن الأعرابي كأنه طمع فقال ما بعتك بهذا السعر أريد سعرًا أرفع، فقال النبي عليه الصلاة والسلام ( إنك بعتني إياه، سبق أن انتهينا من الأمر )، فلم يجد شاهدًا، فجاء خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقال: أنا أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتراه منك بكذا وكذا، فلما شهد قال له عليه الصلاة والسلام ( كيف تشهد؟ ) وهو يعلم أنه لم يحضر، فقال: يا رسول الله إنني أصدقك بخبر السماء ـ أو كلمةٍ نحوها ـ أفلا أصدقك أنك اشتريت فرسًا من أعرابيٍّ بكذا وكذا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
وهذا يُسمى –إن صح التعبير– في علم الاجتماع، الإنسان أحيانًا يرزقه الله موهبة انتهاز الفرص الحسنة، وذكرنا على هذا أمثلة من السيرة كأبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دخل المدينة كان فيها حيَّان عظيمان، الأوس والخزرج، فكان راكبًا على الناقة فيقول له الخزرج: هلم إلى هاهنا يا رسول الله، يقول ( خلو سبيلها فإنها مأمورة )، ويقول الأوس نفس القضية ويقول عليه الصلاة والسلام ( خلو سبيلها فإنها مأمورة )، فلما بركت الناقة وقامت تركها النبي صلى الله عليه وسلم حتى تبرك ولم ينزل، ثم قامت وجالت جولة ثم رجعت وبركت في موطنها الأول، هنا لم ينزل عليه الصلاة والسلام حتى لا يقولن قائل لو نزل عند الأوس لقال الخزرج مال علينا من أول يوم، ولو نزل عند الخزرج لقالت الأوس ذلك وبقي على الناقة. فجاء أبو أيوب الأنصاري، وهذا الذي نتحدث عنه عن انتهاز الفرص، فعمد إلى متاع النبي عليه الصلاة والسلام وأدخله بيته، فلما أدخله بيته حُسم الأمر، فلما جاء الناس المجاورون للأرض التي أصبحت بعد ذلك مسجدًا يقولون: يا رسول الله هاهنا هاهنا قال عليه الصلاة والسلام ( المرء مع رحله )، فظفر أبو أيوب رضي الله عنه وأرضاه بسكنى النبي عليه الصلاة والسلام عنده من دون غيره من الأنصار لتبكيره وانتهازه للفرصة الحسنة هنا.
كذلك خزيمة بن ثابت، كل الصحابة أصلا من أبي بكر فمن دونه –وليس فيهم من يُسمى بالدون– يصدقون النبي عليه الصلاة والسلام بخبر السماء، لكن خزيمة استغل الأمر أكثر من غيره وقال: أنا أشهد، ومعلومٌ لما يُقال هذا الأمر النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد شهادته، فظفر بأن شهادته بشهادة رجلين رضي الله عنه وأرضاه، وهذه من المناقب المحمودة في الرجال.
إذا هبت رياحك فاغتنمها فـــإن لكل خافقة سـكون
و إن درت نياقك فاحتبلها فلا تدري الفصيل لمن يكون
هذه أسباب يضعها الله تبارك وتعالى في الناس، هذا يصيب وهذا يُخطئ، لكن هذه سنن الله في الخلق، وإذا أراد الله شيئًا هيَّأ أسبابه.
ونقف عند العضباء وهي القصواء لمُسمًّى واحد،
وهي الناقة –إذا صح التعبير– الرئيسة التي كانت تحمل النبي عليه الصلاة والسلام، والتي حملته في الهجرة، وحملته في يوم عرفة، حلمته في الحج وحملته في الهجرة، وهذه الناقة كانت لا تكاد تُسبق، فجاء أعرابيٌّ بقعود فسابق هذه الناقة وسبقها، فلما سبقها شق ذلك على الصحابة، لماذا شق على الصحابة؟، نُعيد نفس القاعدة، إن من أحب شيئًا أحب ما يتعلق به، الصحابة ما الذي يعنيهم أن قعودًا يسبق ناقة؟! لا يعنيهم شيءٌ، لكن شق عليهم وتغير حالهم أن هذه الناقة ناقة من؟ ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هنا جاء التأديب النبوي للأمة،
وهذا من أعظم وسائل تربية الناس على التوحيد أن يُربوا عمليًّا، فإن متون التوحيد على جلالة قدرها مما دونه العلماء أمرٌ عظيم لا خلاف فيه، لكنه لا يُدرس التوحيد بشيءٍ أكثر من تدريس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة التوحيد، الآن ناقة تُسبق أين التوحيد في ناقةٍ تُسبق؟، فلما سُبقت الناقة وتغير وجوه الصحابة قال صلى الله عليه وسلم ( إنه حقٌّ على الله ألا يرفع شيئًا إلا وضعه )، لا يرتفع شيءٌ إلا وضعه الله .
هذا هو التوحيد، أين التوحيد؟، الشمس والقمر فتنةٌ للناس، ولذلك كتب الله على الشمس والقمر الكسوف والخسوف حتى يُعلم أنا مهما بلغت قابلة للنقصان، وجهه صلى الله عليه وسلم ليس هناك وجهٌ أشد نورًا من وجهه عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك يُشج وتُكسر الرباعية وينزل الدم، لأنه مهما بلغ فهو وجه مخلوقٍ، كل من حولك من العظماء يريك الله جلّ وعلا فيهم آية تدل على أنهم بشر تجري عليهم أحكام البشر، انظر إلى جمعٍ من الممثلين والممثلات ممن يوصفون بالجمال، غالبهم يموت بمرضٍ يشوه جماله، حتى آخرهم موتًا، كنت أدرس في المدينة، آخرهم موتًا –ولا أتكلم عن أسماء– عفا الله عنه وغفر الله له، الجنة والنار ليس لنا فيها سبيل، هذا الرجل كان فتنة في زمانه قديمًا لكثيرٍ من الصبايا والنساء، فلما قربت وفاته دخلته أمراض حتى تغير وجهه حتى إن أهله كانوا يخفون وجهه عن الناس، حتى مات ووري في جنازة مستورة حتى لا يرى الناس وجهه بعد أن رأوه أنه كان فتنة في السابق، فسنة الله في خلقه أن كل شيءٍ مهما عظم يعتريه النقص، قال الله جلّ وعلا ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88] ، وقال سبحانه ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ﴿26﴾ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: 26، 27].
فكل عظيمٍ مهما ارتقى فينزل، ونبينا صلى الله عليه وسلم لما ساد الجزيرة ودخل مكة فاتحًا وخطب الناس في خطبة الوداع وبلغ الأمر منتهاه مرض وأصابته الحمَّى وأصبح وهو سيد الخلق الذي جاهد في أرجاء الجزيرة كلها يعجز أن يصل إلى المسجد، ثم كان عليه الصلاة والسلام أفصح من نطق الضاد وأفصح الفصحاء وسيد البلغاء يعجز أن يتكلم ويدعو لأسامة بصوتٍ مرتفع، بل يصل إلى أنه يرى السواك –كما قلنا قبل درسين– ولا يستطيع أن يقول أعطوني السواك، فسبحان ربنا الذي لا شيء مثله، ولا نظير له ولا ند، وهو الذي يرينا عظمته وجلاله وكماله وقدرته، وأنه تبارك وتعالى ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير، يرينا هذه الآية في كل غدوة ورواح، لكن المتعظين بتلك الآيات قليل، جعلني الله وإياكم من أولئك القليل.
هذا ما يتعلق سبق القصواء من قبل القعود الذي مع الأعرابي.
مما يتعلق بذكر أفراسه ودوابه عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه الصلاة والسلام بشرٌ من الناس، يعيش كما يعيش الناس، يركب كما يركبون، ويمشي كما يمشون، ويفرح كما يفرحون، فلما سبق فرسه فرح، ولما رأى فرسًا أعجبه اشتراه، وقلما نُقل عنه البيع، البيع في حياته صلى الله عليه وسلم قليل، أما الشراء فهو كثيرٌ، فكان يشتري ما كان يعجبه، وكان يأخذ ويعطي ويفاوض ويبيع ويساوم، وسمحًا إذا باع وسمحًا إذا اشترى.
فهذا كله يدل على أنه بشر، وقد كان القرشيون يتعجبون في أول الأمر كيف يكون هذا نبيًا ويقولون ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 7]، فأخبره الله جلّ وعلا بآياتٍ عديدة أن الدنيا ليست مكافأةً لأحد، ولو كانت مكافأةً في ذاتها فلمنعها الله جلّ وعلا أهل الكفر، فعاش نبيه صلى الله عليه وسلم بشرًا كما يعيش الناس، ونُعِّم أهل الكفر، بعضهم ينعم وبعضهم لا ينعم، تجري على الجميع أحكام الله جلّ وعلا القدرية، ولا علاقة لها بالإيمان ولا بغيره. لكن الآخرة هي دار الجزاء، فالله يقول في "الزخرف" ﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿33﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿34﴾ وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 33–35]، فجعل الله جلّ وعلا الآخرة هي دار التقوى، ولما كان يحمل الّلبِن ويحمل أصحابه اللبن كان عمّار يحمل لبنتين لبنتين، فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم عمار أنه يحمل لبنتين لبنتين فقال ( ويح ابن سمية تقتله الفئة الباغية )، ثم قال ( اهتدوا بهدي عمّار )، الشاهد منه لما أراد أن يبث فيهم العلاقة الأخروية قال لهم عليه الصلاة والسلام يدعو ( اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة ).
فالمؤمن وطالب العلم في المقام الأول لا يجعل من العلم حظًا للكسب الدنيوي، وإنما يجعل العلم الذي علم به سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه وفقهه وما إلى ذلك طريقًا إلى الآخرة، وكلما كان للإنسان حظٌ من الدنيا بعلمه قل حظه في الآخرة وقل قبول علمه عند الناس في الغالب.
العلامة الألباني رحمه الله تعالى وغفر له لما بُشر بأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية حاول الصحفيون أن يجعلوا من فوزه بها مادةً ثريةً في الصحافة، واتصل به أحد الصحفيين ليهنئه ويسأله عن مشاعره فقال الشيخ رحمه الله ﴿ وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 35]، ثم أقفل الهاتف وأنهى المكالمة، فالعالم الرباني بحق هو من ينشد ما عند الله وأجر الآخرة، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه العلماء وطلبة العلم في المقام الأول.
فبادره وخذ بالجد فــيه فإن أعطاكه الله انتفعت
وإن أوتيت فيه طويل باع وقال الناس إنك قد رأست
فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ علمت فهل عملت
وإنما العلم العمل، والله جلّ وعلا يقول ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]، هذا أهم ما يمكن أن يكتسبه الإنسان في هذه المقطوعة من السيرة.
ذكر سلاحه صلى الله عليه و سلم و الانتهاء من شرح المتن :
و سنشرع ا إن شاء الله تعالى في ختم الكتاب وإتمامه، وقد يقول قائل: إنه كيف يُعطى في يوم واحد ما أعطى قرابته في أسبوع كامل؛ حتى يزيل اللبس فإن المتبقي من الكتاب أكثره أسماء تتعلق بالعشرة المبشرين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وأما ما يتعلق بصفته صلى الله عليه وسلم فهذا ما سنقف عنده كثيراً .
أسلحته صلى الله عليه وسلم :
قال المصنف رحمه الله: ( وكان له ثلاثة رماح أصابها من سلاح بني قينقاع، وثلاثة قسي، قوس اسمها الروحاء، وقوس شوحط، وقوس صفراء تدعى الصفراء.وكان له ترس فيه تمثال رأس كبش، فكره مكنه، فأصبح وقد أذهبه الله عز وجل.وكان سيفه ذو الفقار، تنفله يوم بدر، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وكان لمنبه بن الحجاج السهمي.وأصاب من سلاح بني قينقاع ثلاثة أسياف: سيف قلعي، وسيف يدعى بتارا، وسيف يدعى الحتف.وكان عنده بعد ذلك المخدم، ورسوب، أصابها من الفلس، وهو صنم لطيء.
قال أنس بن مالك: كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فضة، وقبيعته فضة، وما بين ذلك حلق فضة .وأصاب من سلاح بني قينقاع درعين: درع يقال لها: السعدية، ودرع يقال لها: فضة.وروي عن محمد بن سلمة قال: رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد درعين: درعه ذات الفضول، ودرعه فضة، ورأيت عليه يوم خيبر درعين: ذات الفضول والسعدية ).
هذا ما ذكره المصنف النبي صلى الله عليه وسلم كان إمام المجاهدين، ولا يمكن إن يكون إمام المجاهدين حتى يكون لديه سلاح، وهذه الأسلحة التي ذكرت ونقلت عنه صلى الله عليه وسلم نُقلت بأسانيد تختلف منها ما هو صحيح منها ما هو دون ذلك، لكن جملة قُبلت عند العلماء وتناقلوها هذا الفكرة الأولى في الموضوع.
الفكرة الثانية في الموضوع إذا أردت أن تدون سيفه ذو الفقار هذا السيف الذي كان لا يكاد يفارقه صلى الله عليه وسلم، سيف ذو الفقار هو السيف الذي كان لا يكاد يفارقه صلوات الله وسلامه عليه بمعنى أنه كان يحمله كثيراً ولذلك قال المصنف ( وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ) فلو سُئلت وأنت درست المتن ما معنى قول المصنف ( وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد ) أي أن هذا السيف قبل معركة أحد النبي صلى الله عليه وسلم رأى في هذا السيف ثلمة رأى فيه ماذا؟ ثلمة يعني شبه كسر، وسيف الإنسان هو الذي يدفع به عن نفسه فأُول في المنام بأنه أحد عصبته، وكان مقتل من ؟ مقتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وأرضاه وموته شهيداً، فالرؤيا التي رآها رأى بقراً تنحر هذا موت أصحابه ورأى في سيفه ثلمة؟ هذا هو مقتل من مقتل حمزة في أي سيف رأى هذه الرؤيا في سيفه ذي الفقار، فعلى هذا قلنا إن سيفه ذا الفقار هو السيف الذي لا يكاد يفارقه.
الفائدة الثانية: ما لم يذكره المصنف أن له صلى الله عليه وسلم سيفاً يقال له مأثور ورثه عن أبيه، بمعني أن النبي صلى الله عليه وسلم ورث هذا عن أبيه عبد الله أي أن مأثور في الأصل لمن ؟ لعبد الله هو والد النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: وهذه هي أهم الفوائد مر معنا يا أُخي السلاح الآن ومر معنا قبله الدواب ومر معنا قبل الدواب الإماء والموالى والعبيد، السؤال أين ذهبت هذه؟ الإماء والعبيد والسلاح والدواب الذي ذكرنها جميعاً تكتب في المتن قال الحافظ بن كثير رحمه الله : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صح عنه إنه مات ولم يترك ديناراً ولا درهماً وأن درعه كانت مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، وأن جميع ما ذكر من قبل من
العبيد والإماء والدواب والسلاح قد أنجز التصدق به صلى الله عليه وسلم قبل موته؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقه ) الآن انتهينا من قضية سلاحه.
فصل في صفته صلى الله عليه وسلم :
( روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم، مقبلا يقول:أمين مصطفى بالخير يدعو كضوء البدر زايله الظلام وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه ينشد قول زهير بن أبي سلمى في هرم بن سنان، حيث يقول: لو كنت من شيء سوى بشر كنت المضيء ليلة البدر.ثم يقول عمر وجلساؤه: كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم،ولم يكن كذلك غيره ) .
هذا إجمال ما ذكره المصنف هنا قد يكون في الأول بالذات فيه نظر بأن أبا بكر ما يعرف عنه الشعر، لكن جملة مقبولة لأن المعنى صحيح قد لا يصح نسبة هذه الأمور إلى أبي بكر لكن المعني صحيح، ثم جاء عن وصفه صلى الله عليه وسلم من حيث التفصيل قال ( وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيض اللون، مشربًا حمرة ).
الأبيض إما أن يكون أبيض أمهق كما سيأتي فيكون بياضه غير ممدوح ولكن بياضه صلى الله عليه وسلم كما قال علي كان مشرباً بحمرة أي مخلوطاً بحمرة ( أدعج العينين) المعني شديد سواد العينين.
( سبط الشعر ) معنى سبط الشعر أي أن شعره ليس مسترسل، الآن اليوم العامية يقولون ناعم ليس مسترسلاً ولا ملتوي أي أن شعره صلى الله عليه وسلم ليس مسترسلاً تماماً ولا ملتوي مسترسل ليس مسترسلاً خبر ليس ولا ملتوياً.
( كث اللحية، ذا وفرة، دقيق المسربة ) والمقصود الشعر الذي من أعلى الصدر إلى أدني السرة دقيق المسربة وليست المشربة مكتوبة في الكتاب بالشين وهي المسربة والمعنى الشعر الممتد من أعلى الصدر إلى أدنى الصدر .
( ليس في بطنه، ولا صدره شعر غيره ) هذا واضحة ( شئن الكفين والقدمين) هذه معناها غليظ أصابع الكفين وغليظ أصابع القدمين.
( إذا مضى كأنما ينحط من صبب، وإذا مشى كأنما ينقلع من صخر، إذا التفت التفت جميعً) هذه واضحة ينحط من صبب، الصبب المكان العالي.
( كأن عرقه اللؤلؤ، ولَريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر، ليس بالطويل ولا بالقصير،ولا الفاجر ولا اللئيم) هذه واضحة جداً .
( لم أر قبله ولا بعده مثله ) من القائل ؟ علي ابن أبي طالب، وفى لفظ أي لعلي بين كتفيه خاتم النبوة وهو خاتم النبيين، خاتم النبوة شعيرات ما بين الكتفين من الخلف إلى جهة الشمال أقرب، خاتم النبوة شعرات من الخلف اجتمع بعضها إلى بعض إلى الشمال أقرب، واضح وهو خاتم النبيين .
( أجود الناس كفا ) كناية عن الكرم ( وأوسع الناس صدرًا ) هذه ظاهرة (وأصدق الناس لهجة، وأوفى الناس ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عِشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم )
( وقال البراء بن عازب: صاحبي معروف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مربوعًا ) أي لا بالطويل ولا بالقصير ( بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم ) مربوعاً قلنا واضح ما بين الطول والقصر بعيد ما بين المنكبين هذان المنكبان والمقصود أن صدره وظهره ممتد .
( له شعر يبلغ شحمة أذنيه ) هذه شحمه الأذن ( رأيته في حلة حمراء ) الحلة الثوب المكون من قطعتين، الإزار والرداء ( لم أر شيئًا قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم ) لم هذه أداة نفي جاء بعدها بقط لأنه نفى شيئاً ماضي ولو أراد أن ينفي شيئاً في المستقبل يأتي بأبداً .
( وقالت أم معبد الخزاعية في صفته، صلى الله عليه وسلم ) أم معبد أين رآها النبي صلى الله عليه وسلم ؟ رآها أين ؟ أم معبد في الهجرة في طريقه من مكة على المدينة مر على أم معبد، أم معبد امرأة من خزاعة كان عندها خيمتان تكري الأضياف فمر النبي صلى الله عليه وسلم عليها ونزل ضيفاً عندها وجاءت معها قصة الشاة المعروفة :
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمة أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمد
هذه أم معبد رأته وكانت خزاعية فصيحة فلما جاء زوجها سألها فأجابته بالتالي:
( رأيت رجلًا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة ) هذه ثجلة وصعلة تحتاج إلى شرح لم تعبه ثجلة، الثجلة الضخامة في البدن والصعلة صغر الرأس، فهو عليه الصلاة والسلام ضخم إلى حد لا يعاب ولا صغير الرأس إلى حد يعاب به (قسيمًا، في عينيه دعج ) أي سواد ( وفي أشفاره غطف ) الأشفار شعر الجفن ( وفي صوته صحل ) أي في صوته بحة، الصحل هو ماذا ؟ البحة ( وفي عنقه سطع ) تقصد نور تقصد أن عنقه منير ( وفي لحيته كثاثة ) هذه واضحة أي كثرة ( أزج أقرن ) أما كونه أزج فالمعنى أن خيط الجفن هذا دقيق قليلاً، أما قولها أقرن هذا لا يقبل فإما أن يكون خطأً منها وإما أن يكون خطأً من الرواة الذين نقلوا قالت ( أزج أقرن ) فإما أن يكون خطأً منها وإما أن يكون خطأً ممن من الرواة؛ لأن معنى أقرن أن يكو ن هذان ملتصقان بعضهما ببعض الحاجبان إذا اتصلا يسمى أقرن بمعنى مقترنين وهذا عيب مذموم عند العرب قديماً وهو لا يعيب الرجل إذا وجد فيه؛ لأن هذا خلق لكن الله جلّ وعلا لا يجعل نبيه بهذا الأمر وسيأتي وصفه عليه الصلاة والسلام بأنه أزج في غير قرن سيمر معك أظن المصنف تعرض له هذا محفوظ وما أدري إن كان المصنف ذكره أو لا أزج في غير قرن، فقولها أزج أقرن إلا أن تكون قصدت شيئاً لم أفهمه أنا، واضح إذا؟ كم تخريج الآن ؟ ثلاثة.
الأول : أن يكون خطأ ممن؟ من أم معبد.
والخطأ الثاني أن يكون ممن ؟ من الرواة، والخطأ الثاني يكون في فهمنا نحن لكن الصواب الذي لا محيل عنه أن الرسول لم يكن أقرن واضح .
( أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ) وهذه ظاهرة ( أجمل الناس، وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، حلو المنطق، فصلٌ، لا نزل ولا هذر، كأن منطقه خزرات نظم تحدرت ربعة لا بائن من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين ) تتكلم عن من الغصنين الأخرين؟ أبو بكر وعامر بن فهيرة ( وهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرًا، له رفقاء يحفون به، إن قال؛ أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره محفود محشود ) ما معنى محفود ما معنى محشود ؟ المحفود من يعظمه أصحابه ومن حوله ويسارعون في طاعته هذا معنى محفود.
محشود: أي يجتمع إليه الناس ( لا عابس، ولا مفند ) التفنيد الصد الرد التهجين، ومعنى لا عابس، ولا مفند، أي جميل المعاشرة لا يهجن أحداً ولا يحتقره.
( وعن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه أنه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان ربعة ) مستحيل طبعاً أن تكون ربعة لماذا؟ خبر كان ما يكون مرفوعا منصوبا ( كان ربعة من القوم، ليس بالطويل البائن) هذه مرت معنا ( ولا بالقصير المتردد، أزهر اللون، ليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم ) الآدم الأسمر الآدم من يميل إلى السمرة أي أن بياضه صلى الله عليه وسلم كما قلنا مشرباً بحمرة والأبيض الأمهق الكريه البياض.
فائدة مَن من الأنبياء كان يميل إلى السمرة؟ موسى ولذلك الله قال أن يده بيضاء من غير سوء.
موسى كان أسمر ( ليس بجعد، ولا قطط، ولا سبط، رجل الشعر ) هذه مرت معنا أي ليس مسترسلاً .
( وقال هند بن أبي هالة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب ) المشذب يعني الطويل ( عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون ) مر معنا أي بياض معقول ( واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير ) ماذا؟ ( في غير قرن ) كما أثبتناه في الأول ( بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين) العرنين الأنف، العرنين الذي ارتفع أعلى أنفه واحدودب وسطه وضاق منخراه ( كث اللحية، أدعج العينين ) مرت ( سهل الخدين، ضليع الفم ) أي كبير الفم وكان عنوانا
عند العرب على الفصاحة والبلاغة ( أشنب ) يعني جميل الفم ( مفلج الأسنان ) الثنايا كان فيها فلجة لم تكن متلاصقة ( دقيق المسربة ) هذه مرت معنا ( كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنًا متماسكًا، سواء البطن والصدر ) ما معنى سواء البطن والصدر، هذه ظاهرة بتعبير البطن يعني فرق ما بين البطن والكرش كل إنسان له بطن لكن ليس كل إنسان يوصف بأن له كرش، إذا البطن برزت يسمى كرش، أما إذا لم تبرز فهي بطن لأنه لا يوجد إنسان ليس له بطن.
( سواء البطن والصدر مسيح الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس ) الكراديس رؤوس العظام أي عظم هذا أو هذا في الركب يسمى كراديس ( أنور المتجرد ) المتجرد أي المواطن التي لا شعر فيها تظهر كأنها نور هذا معنى أنور المتجرد أي المواطن التي لا شعر فيها من جسمه تظهر كأن لها نور ( موصول ما بين اللبة والسرة) اللبة هذه الفتحة الذي في أسفل الصدر في أسفل الرقبة هذه اللبة ( موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ) معنى هذا أن باقي الجسم من الأمام ليس فيه شعر ولذا قال ( عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك ) مما سوى ذلك من ماذا؟ من الشعر .
( أشعر الذراعين والمنكبين ) في الذراع والمنكب كان أشعر صلى الله عليه وسلم (عريض الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شئن الكفين ) مرت ( والقدمين، سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين ) هذه خمصان الأخمصين معناها الأخمص هو الذي ينطوي شيء من القدم في باطنها يعني أي إنسان الأصل أنه أخمص في جهة من القدم ما تصل إلى ماذا؟ ما تصل إلى الأرض، لكنه هذا الذي طبيعة الإنسان لكن ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أخمص أي أن قدمه كانت سواء ( ويمشي مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونًا، ذريع المشية ) ذريع المشية أنه مشيته ماذا متباعدة ( إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف ) أي النظر ( نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، ) كناية عن ماذا؟ التواضع ( جل نظره الملاحظة ) أي ما يدقق ( يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام ) صلوات الله وسلامه عليه.
هذه الصفة الخُلقية والآن طبيعي أن يأتي إلى الصفة الخَلقية.
قال ( فصل في أخلاقه صلى الله عليه وسلم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشجع الناس.
قال على ابن أبي طالب رضي الله عنه ستمر معنا أشياء لا حاجة إلى الشرح وإنما سأتكلم بعد ذلك إجمالاً ( كنا إذا احمر البأس، ولقي القومُ القومَ اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أسخى الناس ما سئل شيئاً قط فقال: لا ، وكان أحلم الناس )
إلا أن سخاؤه متى يظهر في أوجه؟ في رمضان، إذا لقيه جبريل ( وكان أحلم الناس، كان أشد حياء من العذراء في خدرها لا يثبت بصره في وجه أحد، وكان لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيكون لله ينتقم، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقريب، والبعيد، والقوي، والضعيف عنده في الحق واحد ).
وهذا أمر لا خلاف فيه فالله جلّ وعلا زكى بصره، وزكى قلبه، وزكى لسانه، وزكى خلقه فأين زكى الله لسانه؟ ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾[النجم:3].وأين زكى الله قلبه؟ ﴿ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾[ النجم:11].
وأين زكى الله بصره؟ ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ﴾[النجم:17].
وأين زكى الله خلقه؟ ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾[القلم:4] هذه إجمالاً وجاءت مفصلة في آيات أخرى .
( وما عاب طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهيه تركه، وكان لا يأكل متكئاً، ولا يأكل على خوان ) ما الخوان؟ المائدة التي يوضع عليها الطعام يعبر عنها أحيانا بالطاولة.
( قال أنس رضي الله عنه كما في الصحيح ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم على خوان قط ) ( ولا يمتنع من مباح، إن وجد تمراً أكله وإن وجد خبزاً أكله وإن وجد شواء أكله ) وهذا يدل على عدم التكلف، يعني لا يرد موجوداً ولا يطلب مفقوداً
( إن وجد خبز بر أو شعيراً أكله، وإن وجد لبناً اكتفى، أكل البطيخ بالرطب ) ما البطيخ ؟ المقصود
بالبطيخ هنا الخربز، أين الدليل على أنه الخربز؟ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم هذا البطيخ جاءت بثلاثة روايات.
جاءت برواية ( أكل البطيخ بالخربز ) وجاءت بنقل عن عائشة ( أكل البطيخ الأحمر بالخربز ) ( أكل البطيخ الأصفر بالخربز ) .وجاءت برواية أوضح ( أكل الخربز بالرطب ) .
علله لماذا أكل البطيخ بالرطب ؟ لماذا أكل البطيخ بالرطب ؟ ما الفرق ؟ لماذا جمع ما بين الخربز والرطب؟حار والبطيخ بارد، وقال صلى الله عليه وسلم ( نكسر حر هذا ببرد هذا وبرد هذا بحر هذا )
( وكان يحب الحلواء والعسل.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة ) ولا يأكل الصدقة خاصة به؟ هو وآل بيته، ويكافئ على ماذا؟ ( ويكافئ على الهدية )، إذا أخذ هدية يكافئ عليها، وأغلب أحواله أن يرد الهدية بأكثر منها.
( لا يتأنق في مأكلٍ ولا ملبسٍ، يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد.
وكان يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله، ويعود المرضى.
وكان أشد الناس تواضعًا، يُجيب من دعاه من غنيٍّ، أو فقيرٍ، أو دنيء، أو شريف ) لا يفرق.
( وكان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، لا يحتقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب ملكًا لمُلكه.
وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة ) هذا كله دليلٌ على عدم التكلف، ( ويُردف خلفه عبده، أو غيره، لا يدع أحدًا يمشي خلفه، ويقول ( خلوا ظهري للملائكة ).
ويلبس الصوف وينتعل المخصوف، وكان أحبُّ اللباس إليه الحبرة، وهي من برود اليمن، فيها حُمرةٌ وبياض ) الحبرة الثياب المقلمة ذات الخطوط، وهي من برود اليمين، فيها حمرة وبياض.
( وخاتمه فضةٌ، فضه منه، يلبسه في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر.وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها.
وكان يُكثر الذكر ويُقل اللغو، ويُطيل الصلاة ويُقصر الخطبة.أكثر الناس تبسُّمًا، وأحسنهم بشرًا، مع أنه كان متواصل الأحزان دائم الفكر .وكان يحب الطيب، ويكره الريح الكريهة.يستألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بشره عن أحدٍ، ولا يجفو عليه.يرى اللعب المباح فلا ينكره، يمزح ولا يقول إلا حقًّا، ويُقبل معذرة المُعتذر إليه.له عبيدٌ وإماءٌ، لا يرتفع عليهم في مأكلٍ ولا ملبس.لا يمضي له وقتٌ في غير عملٍ لله، أو فيما لابد له ولأهله منه.رعى الغنم، وقال: ( ما من نبيٍّ إلا وقد رعاها ).وسُئلت عائشةُ –رضي الله عنها- عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: "كان خلقه القرآن"، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه ) صلوات الله وسلامه عليه.
( وصحَّ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: "ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شممتُ رائحةً قطُّ كانت أطيب من رائحة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قطُّ، ولا لشيءٍ فعلته: لم فعلت كذا؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلت كذا وكذا؟".
قد جمع الله له كما الأخلاق، ومحاسن الأفعال، وآتاه الله علم الأولين والآخرين، وما فيه النَّجاة والفوز، وهو أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا مُعلِّم له من البشر، نشأ في بلاد الجهل والصحاري، آتاه الله ما لم يؤت أحدًا من العالمين، واختاره على جميع الأولين والآخرين، فصلوات الله عليه دائمةً إلى يوم الدين ).
هذا كله ظاهر، ولا أعتقد أنه يحتاج إلى تعليقٍ.
فصلٌ في معجزاته صلى الله عليه وسلم :
(فمن أعظم معجزاته، وأوضح دلالاته "القرآن العزيز" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيلٌ من حكيمٍ حميدٍ، الذي أعجز الفصحاء، وحيَّر البُلغاء، وأعياهم أن يأتوا بعشر سور مثله، أو بسورة، أو بآية، وشهد بإعجازه المشركون، وأيقن بصدقه الجاحدون، والملحدون ).
القرآن الكريم معجزة نبينا الخالدة، وهو مُعجزٌ في لفظه ومعناه، قال شوقي رحمه الله:
جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيمٍ غير منصرمِ
( وسأل المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُريهم آيةً فأراهم انشقاق القمر، فانشق حتى صار فرقتين، وهو المراد بقوله تعالى ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ [القمر: 1].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى زوى لي الأرض فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وسيبلغ مُلك أمتي ما زُوي لي منها ). وصدَّق الله قوله بأنَّ مُلك أمته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال )، وهذا فيه نظر، فليس المقصود المشرق والمغرب تحديدًا، وإنما المقصود انتشار الدين في كل مكان.
( وكان يخطب إلى جذعٍ، فلما اتخذ المنبر وقام عليه حنَّ الجذع حنين العشار، حتى جاء إليه والتزمه، وكان يئن كما يئن الصبي الذي يُسكت، ثم سكن.ونبع الماء من بين أصابعه غير مرة )، واختلف العلماء في معنى نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام على قولين، القول الأول: أن يكون الماء نبع فعلا من بين أصابعه، أي خرج من بين أصابعه، القول الثاني: أن يكون المعنى أنه ببركته عليه الصلاة والسلام لما وضع أصابعه تكاثر الماء ببركته عليه الصلاة والسلام، ولم يكن هناك نبعٌ حقيقيٌّ من أصابعه، والقول الأول هو الأظهر إذ لا مانع يمنعه وعليه الأكثرون، الأكثرون مِن مَن؟ من العلماء، هناك أشياءٌ تُحذف لدلالة المعنى عليها.
( وسبَّح الحصى في كفه، وثم وضعه في كف أبي بكرٍ، ثم عمر، ثم عثمان، فسبَّح.
وكانوا يسمعون تسبيح الطعام عنده وهو يؤكل.وسلَّم عليه الحجر والشَّجر ليالي بُعث.
وكلمته الذراع المسمومة، ومات الذي أكل معه من الشاة المسمومة، وعاش هو صلى الله عليه وسلم بعده أربع سنين. )، الذي مات معه مَن؟ بشر بن البراء رضي الله عنه.
( وأصيبت رجل عبد الله بن عتيك الأنصاري فمسحها فبرأت من حينها.
وأخبر أنه يَقتل أُبي بن خلفٍ الجُمحيَّ يوم أحد، فخدشه خدشًا يسيرًا فمات.
وقال سعد بن مُعاذ لأخيه أمية بن خلف: "سمعتُ محمدًا يزعم أنه قاتلك"، فقُتل يوم بدرٍ كافرًا.
وأخبر يوم "بدرٍ" بمصارع المشركين؛ فقال: ( هذا مصرع فلانٍ غدًا إن شاء الله، وهذا مصرع فلانٍ غدًا إن شاء الله )، فلم يعدُ واحدٌ منهم مصرعه الذي سمَّاه.
وأخبر أن طوائف من أمته يغزون البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كما قال.
وقال لعثمان: إنه سيُصيبه بلْوى؛ فقتل عثمان.
وقال للحسن بن عليٍّ: ( إن ابني هذا سيدٌ، ولعل الله أن يُصلح به بين فئتين من المؤمنين عظيمتين ) فكان كذلك.
وأخبر بمقتل الأسود العنسيِّ الكذاب ليلة قَتْلِهِ، وبمن قتله، وهو بصنعاء اليمن، وبمثل ذلك في قتل كسرى.
وأخبر عن الشيماء بنت بُقيلة الأزدية أنها رُفعت له في خمارٍ أسود على بغلةٍ شهباء، فأُخذت في زمن أبي بكرٍ الصديق في جيش خالد بن الوليد بهذه الصفة.
وقال لثابت بن قيس بن شماس: ( تعيش حميدًا، وتُقتل شهيدًا )، فعاش حميدًا، وقُتل يوم اليمامة شهيدًا.
وقال لرجلٍ ممن يدَّعي الإسلام وهو معه في القتال: ( إنه من أهل النار )، فصدَّق الله قوله بأنه نحر نفسه ).
جماع هذا علميًّا أن يُقال: الغيب الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أولا: غيبٌ يتعلق بالأمم والقرون الغابرة، ومثاله إخباره عن يوسف، أصحاب الكهف، قوم نوح، قوم عاد، هذا كله إخبارٌ عن غيبٍ سبق، كإخباره عن أهل الكهف، وإخباره عن يوسف وإخوته، وإخباره عن غير ذلك مما سلف.
الثاني: إخباره عن غيبٍ وقع في حياته قبل أن يموت، مثل إخباره بالذي قتل نفسه، و إخباره بمقتل قريش يوم بدر، ومقتل الأسود العنسي، هذا كله حصل في حياته صلى الله عليه وسلم.
الثالث: إخباره بغيبٍ وقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، مثل ( إن ابني هذا سيدٌ ) هذا وقع بعد وفاته، و قصة سراقة بن مالك أنه لبس سوار كسرى، وأشراط الساعة ستقع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
هذا خلاصة ما يمكن أن يُقال في الغيب الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
( ودعا لعمر بن الخطاب، فأصبح عُمر فأسلم.ودعا لعليٍّ بن أبي طالب أن يُذهب الله عنه الحرَّ والبرد، فكان لا يجد حرًّا ولا بردًا.ودعا لعبد الله بن عبَّاسٍ أن يُفقهه الله في الدين، ويُعلمه التأويل، فكان يُسمَّى الحبر والبحر لكثرة علمه.ودعا لأنس بن مالكٍ بطول العمر، وكثرة المال والولد، وأن يُبارك الله له فيه، فوُلد له مائة وعشرون ذكرًا من لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين، وعاش مائة وعشرين سنة أو نحوها.وكان عتيبة بن أبي لهبٍ قد شقٌّ قميصه وآذاه، فدعا عليه أن يُسلط الله عليه كلبًا من كلابه، فقتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام.وشُكي إليه قحوط المطر وهو على المنبر فدعا الله عزّ وجلّ وما في لسماء قزعة، فثار سحابٌ كثيرٌ أمثال الجبال، فمُطروا إلى الجمعة الأخرى حتى شُكي إليه كثرة المطر، فدعا الله عزّ وجلّ فأقلعت وخرجوا يمشون في الشمس.
وأطعم أهل الخندق –وهم ألفٌ- من صاع شعيرٍ أو دونه، وبهيمة، فشبعوا وانصرفوا والطعام أكثر ما كان.
وأطعم أهل الخندق أيضًا من تمرٍ يسيرٍ أتت به ابنة بشير بن سعدٍ إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة.
وأمر عمر بن الخطاب أن يُزوِّد أربعمائة راكبٍ من تمرٍ كالفصيل الرابض، فزوَّد، وبقي كأنه لم ينقص تمرةً واحدةً.وشهد الذئب بنوَّته ).
شهادة الذئب بنوته رواها الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح من حديث أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه.
(ومرَّ في سفرٍ ببعيرٍ يُستقى عليه، فلما رآه جرجر، ووضع جرانه فقال: ( إنه شكا كثرة العمل وقلة العلف).
ودخل حائطًا فيه بعيرٌ ) الحائط أي البستان ( فلما رآه حنَّ وذرفت عيناه، فقال لصاحبه ( إنه شكا إلىَّ أنك تجيعه وتؤدبه ).
ودخل حائطًا آخر فيه فحلان من الإبل، وقد عجز صاحبهما عن أخذهما، فلما رآه أحدهما جاءه حتى برك بين يديه، فخطمه، ودفعه إلى صاحبه، وفلمَّا رآه الآخر فعل مثل ذلك ).
هذه كلها أخبر تدل على ما سخره الله جلّ وعلا له صلوات الله وسلامه عليه.إلى أن قال في آخر صفحة ( وخرج على مائة من قريشٍ وهم ينتظرونه فوضع التراب على رؤوسهم ومضى ولم يروه.وتبعه سراقة بن مالك بن جُشعم يريد قتله أو أسره، فلما قرب منه دعا عليه، فساخت يد فرسه في الأرض، فناداه بالأمان، وسأله أن يدعو له، فدعا له، فنجاه الله.وله صلى الله عليه وسلم مُعجزاتٌ باهرةٌ، ودلالاتٌ ظاهرةٌ، وأخلاقٌ طاهرةٌ، اقتصرنا منها على هذا تحقيقًا ).
وفي الختام أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى وسلامة الصدر لجميع المؤمنين، والسعي بالعمل بما نعلم، لعل الله جلّ وعلا أن يبلغنا أعلى المنازل في الدنيا والآخرة.
هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمدٍ وعلى آله، والحمد لله رب العالمين