أحدث المشاركات

إعلان أعلى المشاركات

الخميس، 28 أكتوبر 2021

الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم الجزء الاول

 


                    الأيام النظرة والسيرة العطرة لرسولنا صلى الله عليه وسلم

                                                   الجزء الاول


                                                                        بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله خالق الكون بما فيه وجامع الناس ليومٍ لا ريب فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده تقدست عن الأشباه ذاته ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، آخر الأنبياء في الدنيا عصرًا وأولهم وأرفعهم يوم القيامة شأنًا وذكرًا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع نهجه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد .

التعـريف بصـاحب التصنيف - و بدء الشـرح من أول المتن :

فهذا بحمد الله وتوفيقه وعونه أول دروسنا العلمية في التعليق على "الدرة المضيئة في السيرة النبوية" للعلامة عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي رحمه الله تعالى، وإن من التأدب مع أهل التصنيف أن يُذكر ما لهم من فضل وما قدموه لدين الله جلّ وعلا من عملٍ نافع، وصاحب هذا التصنيف الذي بين يديكم أحد أئمة المسلمين الذي عاشوا في القرن السادس الهجري، وكان ذا ورعٍ وعبادة، وممن اشتغل بطلب العلم وتعليمه، وممن عُرف عنهم كثرة التعبد والتماس الأثر، وكان فقيهًا حنبليًا رحمه الله تعالى.

ومما يُذكر عنه أنه في يوم وفاته - والخواتيم تدل على أيام الإنسان ومراحله التي مضت - أنه رحمه أصابه المرض حتى لم يقدر على الذهاب على المسجد، فلما اشتد عليه المرض دخل عليه أحد أبنائه فقال له يا أبتاه ما تشتهي؟ قال أشتهي الجنة، ثم إنه صلى الفجر، ثم قال له ابنه يا أبتاه هاهنا دواء، قال يا بني لم يبق إلا الموت –شاعرًا بدنو الأجل-، ثم إنه قال له ابنه مُكررًا له السؤال ماذا تشتهي، قال أشتهي أن أنظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، فدخل عليه جماعة من أصحابه يعودونه فلما سلّموا عليه رد عليهم بصوتٍ ضعيف، ثم أخذوا يتحادثون فيما بينهم فكان العجب أنه وهو المريض الذي يُعاد قال لهم قولوا لا إله إلا الله، اذكروا الله، فيم أنتم تخوضون، فلما قاموا عنه أخذ يُردد لا إله إلا الله ويحرك بها شفتيه حتى فاضت روحه وانتقل إلى جوار ربه.

هذا يدلك على ما كان عليه بعض علماء السلف من البركة، وما أفاءه الله جلّ وعلا عليهم من الفضل، وهذا الفضل الذي بين يديك خاصٌّ بالسيرة العطرة والأيام النضرة لرسولنا صلوات الله وسلامه عليه، وتعريفًا بجملة من أصحابه، هم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم.

وإننا قبل أن نشرع في شرح المتن يجب أن ننبه إلى أمور، إن الإنسان لا يمكن أن يُهيأ

له مقام بعد أن يُدرس كتاب الله جلّ وعلا أعظم من أن يدرس سيرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا ريب أن نبينا عليه الصلاة والسلام ختم الله به الرسالات، وأتم الله جلّ وعلا به النبوات، وبعثه بين يدي الساعة هاديًا مُبشرًا ونذيرًا، وأمر العباد بمحبته وطاعته والتماس هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه، وعلى هذا فإنه ينبغي أن يُقرر شرعًا قبل أن نشرع مُتكلمًا وسامعين في شرح هذه الدرة المضيئة أن نقول: إنه يجب علينا أن نتعلم سيرته صلى الله عليه وسلم لاأن نبز أقراننا ونفوق إخواننا ونترفع على من بين أيدينا، وإنما حتى نتأسّى به صلوات الله وسلامه عليه ونجعله بيننا وبين ربنا فنقتفي أثره، ونلتمس سنته، ونتبع هديه، ذلكم الذي أمرنا الله جلّ وعلا به في المقام الأول، قال تباركت أسماؤه وجل ثناؤه ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحـزاب: 21].

وقد فطر الله جلّ وعلا كثيرًا من خلقه على محبة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقد صعد أحد فرجف الجبل فرحًا بصعوده، فقال عليه الصلاة والسلام ( اثبت أُحد فإنما عليك نبيٌ وصديقٌ وشهيدان )، وترك الجذع الذي كان يخطب عليه لما صُنع له المنبر فحنّ الجذع إليه، فقام عليه الصلاة والسلام والتمس الجذع وضمه إليه، وكان الحسن البصري رحمه الله إذا حدث بهذا الحديث يقول "يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بال قلوبكم لا تحن إليه".

وقد أعطاه الله من المزايا والعطايا ما لم يُعط أحدٌ من العالمين، أشار إلى القمر وأومأ إليه فانفلق بإذن الله تأييدًا لرسالته، وأشار إلى السحاب فتفرق إكرامًا لإشارته، إلى غير ذلك مما سيأتي في المتن من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه، هذا كله يدفع المؤمن وطالب العلم في المقام الأول إلى أن يكون عالمًا فقيهًا مُطلعًا على سيرته صلى الله عليه وسلم؛ حتى يدعو الناس إلى هديه عليه الصلاة والسلام فإن الله سد كل بابٍ موصلٍ إليه إلا ما كان عن طريقه صلوات الله وسلامه عليه.

والرسالة والنبوة لا تنال بالسعي ولا بالكد ولا بالعمل ولا بطلب العلم وإنما هي هبةٌ من الله، يقول الله جل شأنه ﴿ اللَّهُ َأَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ﴾ [الأنعام: 124]، فالله تبارك وتعالى اصطفى هؤلاء الرسل من بين خلقه أجمعين ومنحهم النبوة وأعطاهم الرسالة فكانوا أئمة هدًى ومصابيح دُجى، نشر الله بهم دينه على مر العصور وكر الدهور حجةً من الله تبارك وتعالى على خلقه كما قال الله تبارك وتعالى في سورة النساء ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 165].

والمقصود من هذا كله إخلاص النية والسعي قدر الإمكان في فهم سيرته العطرة وأيامه

النضرة صلوات الله وسلامه عليه قبل أن نشرع تفصيلا في ذكرها.

وصاحب هذا المتن قال في أوله: أنه موجز وأنه مُختصر، وأن المراد به الإلمام الشامل بسيرته عليه الصلاة والسلام، وسنحاول أن نعرج قدر الإمكان على ما أطلق منها لأن بعض النصوص في المتن كما هو معلومٌ لا يكاد يجهلها أحد، وإنما سنقف على ما يغلب على الظن أنه يحتاج إلى أن يقف الإنسان معه ويبينه لغيره، والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان، ونسأل الله أن يرزقنا وإياكم صلاح النية وإخلاص القصد، وأن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه يُبتغى بها رضاه ويُتقى بها سخطه إنه سميعٌ مجيب.

( الحمد لله خالق الأرض والسماء، وجاعل النور والظلماء، وجامع الخلق لفصل القضاء،

لفوز المحسنين وشقوة أهل الشقاء، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة يسعد بها قائلها يوم الجزاء، وصلى الله على سيد المرسلين والأنبياء، محمد، وآله، وصحبه النجباء.

أما بعد:

فهذه جملة مختصرة من أحوال سيدنا ونبينا، المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، لا يستغني عنها أحد من المسلمين، نفعنا الله بها، ومن قرأها، وسمعها.

نسبه صلى الله عليه وسلم:

فنبدأ بنسبه:

فهو أبو القاسم، مُحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشِمِ بن عبد مَنَاف بن

قُصَيِّ ابن كِلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكِ بن النَّضْرِ بن كِنَانَة بن خُزَيْمَةَ ابن مُدْرِكَةَ بن إِلْيَاسَ بن مُضَرَ بن نِزَار بن مَعَدّ بن عَدْنَانَ بن أُدَد ابن الْمُقَوَّم بن نَاحُورَ بن تَيْرَحَ بن يَعْرُبَ بن يَشْجُبَ بن نَابِت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن بن تَارح – وهو آزر – بن نَاحُورَ بن سَارُوعَ بن رَاعُو بن فَالِخ ابن عَيْبَر بن شَالِخ بن أَرْفَخَشْد بن سَام بن نُوح بن لَمْكِ بن مُتُوشَلْخ بن أَخْنُوخ – وهو إدريس النبي فيما يزعمون، وهو أول بني آدم أعطي النبوة، وخط بالقلم ابن يَرْدَ بن مَهْلِيلَ بن قَيْنَن بن يَانِش بن شِيث بن آدم صلى الله عليه وسلم.

هذا النسب ذكره محمد بن إسحاق بن يسار المدني في إحدى الروايات عنه. وإلى عدنان متفق على صحته من غير اختلاف فيه، وما بعده مختلف فيه.

وقريش: ابن فهر بن مالك، وقيل: النضر بن كنانة ) ( )

بدأ المصنف رحمه الله كتابه بذكر أن كنية نبينا صلى الله عليه وسلم هي أبو القاسم، والكنية ما صُدِّر بأبٍ وأم أو ابن، كما يقال ابن أم مكتوم، أو ابن أم عبد، أو أبو القاسم، أو أبو حفص، هذه كلها تُسمى كُنى، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له من خديجة رضي الله تعالى عنها أولاد ذكورًا وإناثًا، كان له القاسم والطيب المُسمى عبد الله، وكان له أربع بنات، فكان بديهيًا أن الأصل أن الإنسان يُكنى بأكبر بنيه، فكُني صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم، وقد وردت كثيرًا في كتب الأحاديث كما في حديث ثوبان في صحيح مُسلم وغيره "يا أبا القاسم ما أول أشراط الساعة"، إلى آخر ذلك مما ورد هاهنا وهناك في الصحيحين وفي غيرهما مناداة اليهود أو بعض كفار قريش له بأبي القاسم، فهذه كنيته صلوات الله وسلامه عليه.

أما اسمه فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكره النسابون عنه يُمكن تصنيف النسب الشريف إلى ثلاثة أقسام، نسبه صلى الله عليه وسلم منه إلى جده عدنان، وهذا أمرٌ مُتفقٌ عليه، مُتفقٌ على صحة هذا النسب، ومن عدنان إلى إسماعيل مُختلفٌ فيه، ومن إسماعيل وإبراهيم إلى آدم عليه السلام كثيرٌ منه غير صحيح ويمكن أن يُقال علميًا أنه يصعب إثبات وذكره، فعلى هذا يتحرر أن النسب الشريف المذكور ثلاثة أقسام، قسمٌ ثبتت صحته، وقسمٌ مُختلفٌ فيه لكن الصحيح منه أكثر، وقسمٌ مُختلفٌ فيه وأكثره غير صحيح؛ لصعوبة الإثبات.

أما النسب الذي هو مُثبت فهو مُحمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هَاشِمِ بن عبد مَنَاف ابن قُصَيِّ بن كُلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ بن فِهْرِ بن مَالِكِ بن النَّضْرِ بن كِنَانَة صلوات الله وسلامه عليه، كنانة هذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( واصطفاني من بني كنانة )، ولذلك توقفنا عنده، والذي يعنينا في هذا المقام أن تعرف أن الله جلّ وعلا اختار هذا النبي ليتم به الرسالات ويكمل به النبوات، فكان حقًا على الله –ولا ممتن على الله- أن يحفظه صلى الله عليه وسلم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فكان صلى الله عليه وسلم يولد من نكاحٍ إلى نكاح محفوظًا في أصلاب الرجال وفي أرحام النساء حتى وضعته أمه آمنة بنت وهب من أبيه عبد الله بن المطلب.

وهذا النسب ليس معناه أن جميع آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأجداده كانوا مؤمنين، وهذا لا يدل الواقع التاريخي عليه، نبينا صلى الله عليه وسلم من أباءٍ وأجدادٍ من كان من أهل الفطرة، والله أعلم بهم، ولاشك أن من إبراهيم إلى آدم من كان على غير ملة الإسلام، والمقصود أنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظًا برعاية ربه تبارك وتعالى.

وهذا النسب عندما نقول النبي العدناني فإنما ننسبه إلى جده عدنان الذي هو قطعًا من ذرية إسماعيل، وعندما نقول النبي المضري نسبة إلى مُضر الذي هو خصيم ربيعة، فإن مُضر له أخٌ يُقال له ربيعة انفلقت منه العرب فلقتين، المضريون كانوا يسكنون مكة وهم عرب الحجاز، وربيعة من كانوا يسكنون جهة البادية في بادية نجد والعراق، ولما ظهر مسيلمة كان من ربيعة، فكان أتباع مسيلمة يقولون كاذب ربعية يقصدون مسيلمة، ولاصادق مُضر يقصدون النبي صلى الله عليه وسلم -أخذتهم الحمية-، أو عندما يُقال النبي العدناني أو يُقال النبي المُضري، لكن لا يتعلق بهذين الاسمين أي حكمٍ شرعي.

ويصل بك الأمر حتى تصل إلى هاشم فتقول : صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله بن

عبد المطلب بن هاشم، عندما يصل الأمر إلى جده هاشم يتعلق به أمرٌ شرعي وهو أنه إذا

قيل آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن المقصود منه بنو هاشم، والحكم الشرعي

الذي يتعلق بهذا النسب هنا أن الزكاة لا تُعطى إليهم كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.

على أنه كذلك يُضاف إلى بني هاشم أن هاشمًا هذا هو ابن عبد مناف، وعبد مناف ترك أربعة من الولد، ترك نوفل وترك عبد شمس وترك المطلب –بدون عبد- وترك هاشمًا، وهذه يجب تحريرها لأنه يتعلق بها مسائل شرعية، فهؤلاء الأربع إخوان من أبيهم الذي هو عبد مناف، قال عليه الصلاة والسلام عندما ننسب ننسب إلى بني هاشم، هاشمٌ هذا له إخوة ثلاثة الذين ذكرناهم، قلنا عبد شمسٍ والمطلب، لما حصل ما حصل في شعب بني طالب وحاصرت قريشٌ النبي عليه الصلاة والسلام في الشعب انضم إليه أبناء المطلب، انضموا إلى بني هاشمٍ في الشعب كافرهم ومؤمنهم، وبقي بنو عبد شمس وبنو نوفل مع قريش ضد النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم .

هذه الخصيصة لبني المطلب حفظها النبي صلى الله عليه وسلم لهم، فلما كانت غزوة خيبر وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم وجاءه وفدٌ من بني عبد شمس وبني نوفل، جاءه جبير بن مطعم وجاءه عثمان رضي الله عنه من بني عبد شمس فقالوا "يا نبي الله إنك أعطيت إخواننا من بني هاشم وهذه لا تثريب فيها؛ لأن الله شرفهم بك، وإنك أعطيت إخواننا من بني المطلب ونحن وإياهم شيءٌ واحد"، لأن المطلب أخٌ لنوفل وأخ لعبد شمس، قال صلى الله عليه وسلم ( لا، إن بني المطلب لم يُفارقونا في جاهلية ولا في إسلام، وشبك بين أصبعه )، من هذا ذهب جمهور العلماء إلى أن بني المطلب يدخلون في آل البيت بمقتضى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه أهم ما يُعرف من فوائد ذكر النسب الشريف على نبينا صلوات الله وسلامه عليه .

ثم إذا نزلت قليلا فإن هاشمًا هذا اسمه عمرو، وإنما سُمي هاشمًا لأنه كان يكسر الخبز ويضعه مع المرق ويُسمى عند العرب حين ذاك الثريد ويطعم به الحجاج، وهو الذي سن رحلتي الشتاء والصيف لقريش، وكان اسمه الحقيقي عمرو كما بينت، وقد قيل فيه

عمرو الذي هشم الثريد لقومه *** قوم بمكة مسنتين عـجــاف

سنت إليه الرحلتان كلاهمـا *** سفر الشتاء ورحلة الأصياف

هذا الذي يُنسب إليه صلى الله عليه وسلم في المقام الأول، ويُقال النبي الهاشمي، وقلنا كما يُقال النبي المضري يخرج بني ربيعة، وعندما يُقال العدناني المقصود نسبته إلى إسماعيل وسيأتي بيان هذا، ثم دون ذلك يكون عبد المطلب –وليس المطلب الأول-، واسمه شيبة، وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم وأحد الذين كفلوه كما سيأتي تحريره في موضعه، واسمه شيبة، قيل له شيبة الحمد ، وإنما سُمي عبد المطلب؛ لأن المطلب الذي ذكرناه في الأول أخو هاشم لما جاء المدينة كان شيبة هذا صغيرًا ابنًا لأخيه هاشم، فلما مات هاشم أخذ المطلب شيبة هذا وأردفه وراءه ودخل به مكة، فلما دخل به مكة ظنه الناس من قريش أنه عبدًا للمطلب فأخذوا يقولون عبد المطلب عبد المطلب عبد المطلب حتى غلبت عليه، وإلا فاسمه شيبة.

وتظهر فائدة ثانية قلما ينتبه إليها إلا القليل وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مُفتخرًا ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب )، هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين والشُرَّاح عندما يأتون إلى ذكر الإنسان أنه لا يُذكر الإنسان أنه عبدٌ لغير الله فيقولون يجوز من باب النسب، ويأتون بهذا الدليل، يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب )، وهذا وهمٌ ممن قاله، لماذا؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام عندما قال ( أنا ابن عبد المطلب) العبودية هنا لم يقصد بها القرشيون عبودية الذل وعبودية التعبد وإنما قصدوا بها عبودية الرق، كما يقول زيدًا من الناس مثلا عبدٌ لبني فلان، عبدٌ بمعنى رقيق ليس أنه يعبدهم.


فقوله عليه الصلاة والسلام ( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) لم يُغير عليه الصلاة والسلام اسم جده ولم يقل أن عبد المطلب لم يكن عبدًا؛ لأنه فهم الوضع الذي ذُكر منه الاسم وهو أن شيبة فهمت قريشٌ أنه عبد للمطلب أي أنه أجير غلام بمعنى عبودية الرق، وحتى نحرر المسألة العبودية أصلا ثلاثة أقسام :

عبودية رق وضدها الحرية، وهذه تُسمى عبودية شرعية والدليل قوله تعالى : ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ ﴾[البقرة:178] .

وعبودية ذل وقهر وهذه يشترك فيها كل الخلق، الملائكة والجن والإنس، كلهم عبيدٌ لله تبارك وتعالى من هذا الباب، عبودية ذل وقهر من جانب الرب تبارك وتعالى، ودليلها من القرآن ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93] .

العبودية الثالثة عبودية الطاعة، وتنقسم إلى قسمين :

عبودية طاعةٍ لله، وعبودية طاعة لغير الله تبارك وتعالى، كما قال عليه الصلاة والسلام ( تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة )، والطاعة لله هي التي يتنافس فيها المتنافسون ويشمر فيها العاملون، وهي التي بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الذروة منها فكان كما سمّاه الله جلّ وعلا قال ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ [الفرقان: 1]، أرادالله بها هنا عبودية الطاعة.

هذا عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم الأول، من هذا نفهم أن النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه وأمه عربيٌ من العرب المستعربة .

والعرب أمة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعرب عاربة، وعرب مستعربة، أما العرب البائدة فهم ثمود وعاد فهذه أمم عربية كانت موجودة ثم بادت ولم يبق منها على الأرض من نسل، وعربٌ عاربة أي عرب أقحاحٌ جدًا، وهم ذرية يعرب بن قحطان، والمصنف هنا رحمه الله تعالى لم يذكر أن يعرب ابنًا لقحطان، فأهمل قحطان ما بين يعرب والجد الذي يليه، يعربٌ هذا هو جد العرب، ويُسمى العرب هؤلاء بالقحطانيين نسبةً إلى يعرب بن قحطان وهؤلاء هم العرب العاربة.

بقي القسم الثالث وهم العرب المستعربة،

والألف والسين والتاء في اللغة غالبًا ما تعني الاكتساب، تعني الطلب، تعني الاكتساب، مسائل عدة تعني اكتساب الشيء، فعربٌ مستعربة أي ليسوا عربًا في أصلهم وإنما اكتسبوا العروبة، إسماعيل عليه الصلاة والسلام ابن إبراهيم، وإبراهيم لم يكن عربيًا -وإن كان من ذرية سام-، لكنه لم يكن عربيًا، ولذلك تقرأ في القرآن ﴿ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ بالفتح، ويقولون النحاة ممنوع من الصرف للعلمية وللعُجْمى، أي غير عربي ،

فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وبالتالي إسماعيل ليس عربيًا، لكن إسماعيل اكتسب العربية من ماذا؟ من جهة زوجته، لأنه أخذ من جُرهم، وجُرهم قبيلة عربية قحطانية، فمن تولد من ذرية إسماعيل وزوجته التي من جُرهم يُسمون عربًا مُستعربة ومنهم نبينا صلى الله عليه وسلم.

فالعرب قحطانيون وعدنانيون ، هذا تقسيم، ويُسمون عرب الشمال وعرب الجنوب هذا تقسيم ، ويُسمون عرب الحجاز هم العرب المستعربة في الغالب، وليس لهذا التقسيم قسيم، يعني إذا قلنا عرب الحجاز لا يوجد له قسيمٌ آخر نحيل عليه، على هذا يُفهم أن العرب أمةٌ تنقسم إلى ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعربٌ عاربة، وعرب مستعربة، ونبينا صلى الله عليه وسلم من العرب المستعربة الذين اكتسبوا العربية من جرهم قبيلة قحطانية نزلت مكة وتزوج منهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام، هذا كله في ذكر نسبه صلى الله عليه وسلم، وقد بينا أهم ما فيه.

ذكر المصنف في جملة ما قرأ القارئ أن إدريس أو من نُبئ وأول من خط بالقلم، وهذا ذكره أبو هلال العسكري في الأوائل، ولا دليل عليها، وإذا أطقنا النبوة فمن الخطأ أن يُقال إن إدريس عليه السلام أول من نُبئ لأن هذا قد يُفهم منه بادي الرأي أن آدم عليه السلام ليس بنبي، والمعلوم شرعًا المقـرر فـي هـذا الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام سُئل عن آدم أنبيٌ هو؟ قال ( نعم، نبيٌ مُكلم )، فآدم نبي، فالقول أن إدريس أول من نُبئ غير صحيح إلا أن يكون المقصود أول من نُبئ بعد آدم عليه السلام، أما أن يُقال أنه أول من خط بالقلم وما إلى ذلك فلا سبيل ولا دليل إلى إثباته.

قال المصنف في آخر ما قرأنا أن قريش هو ابن فهر، والصواب أنه هو فهرٌ نفسه، أن قريش

لقبٌ على فهر، واختلفوا لماذا سُمي قريش، والأظهر أنه كان قادرًا على أن يجمع الناس، كان ذا سلطان، لهذا سُمي قريش، فقريشٌ لقبٌ على فهر غلب عليه ، وليس ابن فهر، ولكن فهر هو قريش على الأرجح من أقوال العلماء، هذا ما يتعلق بالنسب الشريف.

أمه صلى الله عليه وسلم وولادته :

( أمه صلى الله عليه وسلم : وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم، آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زُهرة بن كِلابِ بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن غَالِبِ.

 

ولادته صلى الله عليه وسلم:

وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة عام "الفيل" في شهر ربيع الأول لليلتين خلتا منه، يوم الاثنين.

وقال بعضهم: بعد "الفيل" بثلاثين عامًا، وقال بعضهم: بأربعين عامًا. والصحيح أنه ولد عام الفيل )

ذكر المصنف هنا أن أم النبي صلى الله عليه وسلم هي آمنة، ولم يقل أبوه هو فلان لأنه ورد ذكره في النسب الأول، وأفرد الأم لأنه لم يرد ذكرها في النسب الأول ، آمنة بنت وهب هي أم نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي من بين زهرة، وبنو زهرة بطنٌ من بطون قريش فتجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، آمنة هذه تزوجها أبوالنبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، فلما تزوجها حملت منه بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

ولحكم أرادها الله أن يموت الأبوان قبل أن ينشأ صلى الله عليه وسلم النشأة التي يمكن أن نقول إنها بلغت سن التمييز، فأبوه عبد الله لما تزوج آمنة وحملت به على أظهر أقوال العلماء أن أباه مات وهو حملٌ عليه الصلاة والسلام، كان له أخوالٌ من بني النجار في المدينة –مدينة النبي صلى الله عليه وسلم- فذهب عبد الله هذا لتجارة لأبيه فمات هناك في المدينة، ودُفن في دار النابغة أي في دار النابغة الجعدي أحد شعراء الجاهلية وأدرك الإسلام وأسلم وحسن إسلامه.

الاختلاف وقع فيما ذكره المصنف في قضية متى وُلد النبي صلى الله عليه وسلم، يجب أن تعلم أن المُتفق عليه أنه ولد في الاثنين وفي شهر ربيعٍ الأول، ودائمًا الإنسان في طلب العلم يأخذ ما اتُفق عليه في الأول، وما اختلف عليه يبدأ بعد ذلك بالأقوى، لكن لابد في المسيرة العلمية من شيءٍ قوي تركن إليه، ثم تُخرج الأضعف فالأضعف، فالثابت أنه صلى الله عليه وسلم وُلد في يوم الاثنين وسئل فقال ( هو يومٌ وُلدت فيه )، فهذا قطعيٌ أنه وُلد يوم الاثنين ، وأصلاً لا أعلم أن هناك خلافًا في أنه وُلد في غير يوم الاثنين، الأمر الثاني المُتفق عليه أنه وُلد في شهر ربيعٍ الأول.

الخلاف في أي يومٍ من شهر ربيعٍ الأول وُلد، الذي عليه عامّة الناس في عصرنا أنه يوم الاثنين الثاني عشر ربيع الأول، وقال المصنف أنه في يوم الاثنين الثاني من ربيعٍ الأول، والأظهر -والله أعلم- التي دلت عليه الدراسات المعاصرة أنه وُلد يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول، لأن الفلكيين كالعلامة محمود باشا وغيره كالمنصور فوزي وغيره ذكروا أنه لا يمكن أن يكون يوم الاثنين في العام الذي وُلد فيه النبي صلى الله عليه وسلم فلكيًا أن يكون يوم اثني عشر، وإنما هو يوم الاثنين التاسع من شهر ربيعٍ الأول الموافق في السنة الميلادية الثاني والعشرين من شهر إبريل لعام خمسائة وواحد وسبعين من ميلاد المسيح عليه الصلاة والسلام.

لكننا كطلبة علم لا يعنينا هذا، يعني دائمًا الإنسان لا يتعلق كثيرًا بما لا فائدة من ورائه، إنما الذي يعنينا أنه وُلد يوم الاثنين لأنه صامه صلى الله عليه وسلم، لكنه من الناحية التاريخية حتى لو فرضنا أن القول الذي قلناه أنه اليوم التاسع خطأ هذا لا يُغير من الموضوع شيئًا، قد يكون يوم الاثنين التاسع كما قال الفلكيون وهو الذي نعتمده وهو الأظهر، وقد يكون قبله أو بعده، لكنه قطعًا يوم الاثنين من شهر ربيعٍ الأول.

وُلد في عام الفيل، جرت العادة عند العرب قديمًا وعند الأمم كلها أنهم يؤرخون بالحدث العظيم، فالنصارى كانوا يؤرخون بميلاد المسيح، فلما كانت العرب أمة لا احتكاك لها بالأمم الأخرى أرخوا بحادثة الفيل،

والفيل قصته شهيرة وهي أن أبرهة نائب النجاشي على اليمن قدم إلى مكة يريد هدم البيت في القضية والقصة والمعروفة حتى وصل إلى وادي مُحتم ما بين مزدلفة ومنى، هناك ناخ الفيل وبرك ورفض التوجه إلى الكعبة -كما هو معلومٌ- وحيث ما وُجِّه توجه إلا إذا ذُهِبَ به إلى مكة، ووكل جلّ وعلا عليهم طيرًا أبابيل، هذا العام لعظيم الحادثة التي وقعت فيه أرخ العرب آنذاك بعام الفيل، لأنه أصبح أمرًا مُميزًا، ولعل هذا شيء خاصاً لحدوث شيءٍ عظيم وهو مولده صلوات الله وسلامه عليه.

المقصود أنه وُلد عليه الصلاة والسلام في عام الفيل، أما القول أنه بعد الفيل أو قبل بثلاثين عامًا أو أربعين عامًا فهذا خلاف الصحيح، وهي أقوالٌ وإن كانت موجودة إلا أنها أقوالٌ مردودة يردها كثرة الروايات التي تُدل على أنه صلى الله عليه وسلم وُلد في عام الفيل.

وفاة والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه، وجده:

( وفاة والد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمه، وجده: ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد أتى له ثمانية وعشرون شهرًا. وقال بعضهم: (مات أبوه وهو ابن سبعة أشهر). وقال بعضهم (مات أبوه في

دار النابغة وهو حمل). وقيل: (مات بالأبواء بين مكة والمدينة).

وقال أبو عبد الله الزبير بن بكار الزبيري: (توفي عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ابن شهرين).

وماتت أمه وهو ابن أربع سنين. ومات جده عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين. وقيل: (ماتت

أمه وهو ابن ست سنين) )

هنا ذكر المصنف يُتمه صلى الله عليه وسلم مع الخلاف في زمن اليتم، فقيل إنه وهو حمل، وقيل غير ذلك كما هو مذكور عندك، والأظهر أنه صلى الله عليه وسلم أكثر الروايات على أن أبوه مات وهو حملٌ في بطن أمه، وقد يكون مات أبوه بعد ولادته، هذه الروايات كلها موجودة والأظهر كما قلت الرواية الأولى أنه وهو حملٌ صلوات الله وسلامه عليه، وقلنا أن أباه عبدالله مات في المدينة، أما القول بأنه مات في الأبواء بين مكة والمدينة كما هو مكتوب فهذا خلاف الصحيح، والصحيح أن أمه ماتت بالأبواء ، أمه مرضت بالمدينة وماتت بالأبواء صلوات الله وسلامه عليه، ثم بعد دفنه كفلته أمه مدة أربع سنوات وماتت بعد ذلك، ثم كفله جده عبد المطلب إلى ست أو ثمان ، ثم كفله عمه أبوطالب.

الذي يعنينا في هذا المقام في فقه السيرة أن يُفهم أن الله جلّ وعلا لحكمةٍ أرادها أن يعيش نبيه صلى الله عليه وسلم يتيمًا حتى تكتمل عليه منة الله، والله إذا أراد أن يمن على عبدٍ من عباده بشيء جنبه الناس، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قدم ولده للقربان وقدم جسده للنيران، وقدم قلبه للرحمن، فلما هم قومه بأن يلقوه في النار قال حسبنا الله ونعم الوكيل، وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعبد أهل زمانه، بل أعبد الناس على الإطلاق بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، وكان ملك المطر يعلم أن الله لن يُخزي إبراهيم فيحرقه بالنار، وأن الله سينصر إبراهيم لا محالة، ولكن يعلم أن النار لا يطفئها إلا الماء فغلب على ظنه

أن الله جلّ وعلا سيأمره أن ينزل القطر على النار يطفئها فيسلم إبراهيم، فعجل ميكال يطأطأ رأسه ينتظر متى يؤمر أن ينزل القطر، ولكن الله جلّ وعلا إكرامًا لإبراهيم خاطب النار بذاته العلية بقوله ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]، فخرج منها صلوات الله وسلامه عليه بعد أن جعلها الله بردًا وسلامًا معافًاً يمشي على قدميه والناس ينظرون.

ما لا يفقهه الناس هو أنه خرج وليس لأحدٍ من أهل الأرض عليه منة صلوات الله وسلامه

عليه إلا منة الله، وهذه منزلة لا ينالها الإنسان إلا إذا بلغ درجة عظيمة في العبودية، فإن الإنسان إذا تحرر قلبه من غير الله كان أقرب إلى الله، وكلما تعلق قلبه بأحدٍ غير الله كان أبعد من الله جلّ وعلا، ومن أراد الله يرزقه الفلاح الحق الكامل لم يجعل في قلبه أحد غير ربه تبارك وتعالى، يحب بحبه، ويُبغض ببغضه، ويوالي بموالاته، فإن كان هذا القلب لا يعرف إلا الله جلّ وعلا في سرائه وضرائه وليله ونهاره وإقامته وسفره كان رعاية الله جلّ وعلا به أعظم وعنايته به أكمل تبارك وتعالى، وهذا هو المقصود الأسمى من كونه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا لم يرعاه أب حتى إذا بلغ النبوة نسب الناس نبوته إلى أبيه، ولم ترعاه أمه حتى إذا بلغ المجد نسب الناس رعايته وتربيته إلى أمه، قال الله جلّ وعلا مُمتنًا عليه ﴿ ألم يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ﴾ [الضحى: 6- 8].

ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكـنون في اليتم

الله قسم بين الخــلق رزقهم وأنت خُيِّرتَ في الأرزاق والقسم

إن قلت في الأمر ( لا ) أو قلت فيه ( نعم ) فخِيرةُ الله بلا منك أو نعم

يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة حديثك الشهد عند الذائق الفهم

جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم

آياته كلما طال المدى جـــددٌ يزينهن جلال العتق والقدم

صلوات الله وسلامه عليه .

رضاعه صلى الله عليه وسلم:

( رضاعه صلى الله عليه وسلم : وأرضعته صلى الله عليه وسلم ثويبة جارية أبي لهب، وأرضعت معه حمزة بن عبد المطلب، وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، أرضعتهم بلبن ابنها مسروح . وأرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية )

بعد أن ذكر أنه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا -وبينا الحكمة في كونه صلى الله عليه وسلم نشأ يتيمًا- ذكر المصنف رحمه الله من نلنا شرف رضاعته صلوات الله وسلامه عليه ، ممن أرضعنه بلا شك أمه آمنة، وممن أرضعنه ثويبة جارية كانت لعمه أبي لهب، ولم يكن بالطبع أبو لهب يعلم أن هذا سيكون نبيًا رسولا وأنه سيعاديه، ولكن جاريته ثويبة أرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، وممن أرضعنه –وهي أكثر من أرضعته- حليمة السعدية المشهورة ، خرجت به إلى بادية بني سعد في قصة نُقلت عنها، أنها جاءت إلى مكة وأخذته صلوات الله وسلامه عليه إلى بادية بني سعد، وتغير حالها وحال قومها مما هو مذكورٌ مشهور في كتب السيرة، أنا قلت أنه في منهجنا في التدريس أن ما كان مشهورًا لا نُعرج عليه، وإنما نُعرج على ما كان مخفيًا يحتاج الناس إلى بيانه، هؤلاء الثلاثة هن اللاتي أرضعنه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من لطف ربه به عليه الصلاة والسلام.

فـصـل فـي أسـمـائـه ـ صلى الله عليه و سلم :

فصل في أسمائه:

(روى جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي حَشَرَ الناس، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي ) صحيح متفق عليه )

هذا فصلٌ في ذكر أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وتحرير المسألة أن يُقال إن من أسمائه صلى الله عليه وسلم ما يُشاركه فيه الناس مثل محمد وأحمد، فالناس يُسمَوْن بمحمد وأحمد، ولهذا لم يقل صلى الله عليه وسلم في تفسيرهما شيئًا، قال ( أنا محمد ) ولم يُبين، وقال ( أنا أحمد ) ولم يُفصل، لأنها من الأسماء المشتركة التي يُسميها كل أحد، لكن عندما قال ( أنا الماحي ) ( أنا العاقب ) فسر صلوات الله وسلامه عليه، لأن الماحي والعاقب تتعلق بكونه نبيًا ورسولا لا تتعلق بكونه رجلا يُنادى بين الناس.

كونه عليه الصلاة والسلام ماحيًا فللكفر، وعاقبًا أي جاء عقب النبيين عليه الصلاة والسلام، هذا يتعلق برسالته، فلهذا بين ما معنى (الماحي)، وبين ما معنى (العاقب) الذي يُحشر الناس على يديه، بمعنى أنه من أشراط الساعة خروجه صلى الله عليه وسلم، لكنه عندما قال ( أنا محمد وأنا أحمد ) فهذا من الأسماء التي يشترك فيها صلى الله عليه وسلم في أصل التسمية مع الناس.

وأحمد هو الاسم المُسمى به في الإنجيل، ومحمد هو الاسم المُسمى به في التوراة، في التوراة جاء أن اسمه محمد، وفي الإنجيل جاء أن اسمه أحمد.

( وروى أبو موسى عبد الله بن قيس، قال: سمَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماءً، منها ما حفظنا، فقال: ( أنا محمد، وأنا أحمد، والمُقَفِّي، ونَبِيُّ التوبة، ونَبِيُّ الرحمة ) وفي رواية: ( ونبي الملحمة ) وهي المقتلة، صحيح، رواه مسلم )

أبو موسى هو أبو موسى الأشعري الصحابي الجليل المعروف عبد الله بن قيس، أحد الذين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن، والحديث كما بيّن المصنف أخرجه الإمام مسلمٌ في الصحيح، وقد ذكر به النبي صلى الله عليه وسلم أسماءً خاصةً به هي محمد وأحمد بالنسبة للنبيين، ومعنى بالنسبة لنبيين لا يوجد نبيٌ من الأنبياء اسمه محمد، ولا يوجد نبي من الأنبياء اسمه أحمد، لكن كلمة نبي التوبة تُطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء، ونبي الرحمة تُطلق عليه وعلى غيره من الأنبياء؛ لأن كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا رحمةً وتوبةً للناس، لكن الفرق بينه وبينهم أنه له منها صلى الله عليه وسلم الحظ الأوفر والنصيب الأكمل.

( وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا أحمد، وأنا محمد، وأنا الحاشر، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، فإذا كان يوم القيامة لواء الحمد معي، وكنت إمام المرسلين، وصاحب شفاعتهم ).

وسماه الله – عز وجل – في كتابه العزيز: ﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ َنَذِيرًا ﴾ [البقرة: 119]، و﴿ رَءُوفًا ﴾ و﴿ رَّحِيمًا ﴾ و﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] صلى الله عليه وسلم )

الأسماء الأولى التي ذكرها صلى الله عليه وسلم ونقلها المصنف تدل على رفيع مقامه عليه الصلاة والسلام عند ربه، وعلو منزلته، وله عليه الصلاة والسلام خصائص في الدنيا وخصائص في الآخرة، والمقام المحمود خصيصةٌ في الآخرة وهي أعظم خصائصه صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبدٍ وأرجو أن أكون أنا هو ) صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نقول كما علمنا نبينا عليه الصلاة والسلام: وابعثه

مقامًا محمودًا الذي وعدته، والله جلّ وعلا قال له في الإسراء ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ

فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسـراء: 79]، فالمقام المحمود له صلى الله عليه وسلم.

ولواء الحمد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ( ولواء الحمد يومئذٍ بيدي )، كل الناس آدم فمن سواه تحت هذا اللواء الذي يحمله صلوات الله وسلامه عليه. المقصود رفيع مقامه وجليل مكانته، ولا نريد أن نفصل فيها أكثر لأنها سيأتي بيانها في فصول قادمة، لكن معلومٌ من الدين بالضرورة مقامه صلوات الله وسلامه عليه بين خلق الله أجمعين ورفيع منزلته وعلو درجته عليه الصلاة والسلام عند ربه.

ثم قال المصنف ( وسماه الله – عز وجل – في كتابه العزيز: ﴿ بَشِيرًا ﴾ و﴿ َنَذِيرًا ﴾ [البقرة: 119]، و﴿ رَءُوفًا ﴾ و﴿ رَّحِيمًا ﴾ و﴿ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ﴾ )،

هذه الأفضل أن يُقال أنها صفات أكثر من كونها أسماءً، هذه صفات له عليه الصلاة والسلام أكثر من كونها أسماءً، لأن جميع الرسل كانوا مبشرين وكانوا منذرين، وكانوا رؤوفين بأممهم، وكانوا راحمين للعالم أجمع، لكن كما قلنا أن الفرق بينه وبينهم صلوات الله وسلامه عليه أن له المقام الأعلى وأنه أوفر حظًا وأكمل نصيبًا عليه الصلاة والسلام.

فصل: نشأته صلى الله عليه وسلم بمكة، وخروجه مع عمه أبي طالب إلى الشام، وزواجه بخديجة :

(: ونشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيما يكفله جده عبد المطلب، وبعده عمه أبو طالب ابن عبد المطلب.

وطهره الله – عز وجل – من دنس الجاهلية، ومن كل عيب، ومنحه كل خُلق جميل، حتى لم يكن يعرف بين قومه إلا بالأمين، لما شاهدوا من أمانته، وصدق حديثه، وطهارته )

لا ريب أن الله أعد نبيه صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر العظيم منذ الأزل، فكان

منطقيًا أن يتعهده ربه جلّ وعلا، والله جلّ وعلا قال لموسى ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طـه: 39]، فإذا كان في حق موسى فكيف بحق محمدٍ صلى الله عليه وسلم!

والمصنف هنا ذكر ما أفاءه الله جلّ وعلا عليه من إيواء جده أبي طالبٍ أول الأمر، ثم عمه أبي طالب، وكلا الرجلين بذلا جهدًا عظيمًا في كفالة نبينا صلى الله عليه وسلم، أما عبد المطلب فقد كان يقربه منه، وكانت يُفرش له فراش عند الكعبة فيجلس صلى الله عليه وسلم بجوار جده ولا يُعاتبه أحدٌ رغم أن عبد المطلب كان وجيهًا سيدًا مُطاعًا مُهابًا، لكن كانت الحَظْوَة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صبيٌ عند جده عظيمة.

فلما مات كفله عمه أبو طالب، أبو طالب اسمه عبد مناف –على الأظهر-، وهذا العم مات على غير إسلام، لكن ذلك لا يمنع أنه كان من أعظم النصراء لنبينا صلى الله عليه وسلم، ومما يُقال عنه في تعهده بنبينا عليه الصلاة والسلام صغيرًا وكبيرًا أنه كان – والنبي عليه الصلاة والسلام صغيرًا ـ تطلب قريشٌ من أبي طالبٍ أن يستسقي لهم إذا أجدبت الديار – كما نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق- فجاء أبو طالبٌ وحمل النبي صلى الله عليه وسلم – وكان يوم إذٍ صغيرًا أبيضًا- فألصقه بجدار الكعبة، فلما ألصقه بجدار الكعبة أشار صلى الله عليه وسلم بإصبعه إلى السماء وهو صبي، فجاء السحاب من كل مكان فسُقوا حتى سال الوادي، فقال أبو طالبٌ في لاميته بعد ذلك:

وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل

هذا من حظوة النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي طالب، فلما كبر بقيت هذه الحَظْوَة كما هي، وكان صلى الله عليه وسلم قد ربّاه الله وتعهده أنه يفقه ماذا يفعل وماذا يصنع من دون أن يعلم أنه سيكون نبيًا، فكان يرعى الغنم على قراريط لأهل مكة من أجل أن يسد العوز والفقر والمسكنة المالية التي كانت موجودة عند أبي طالب حتى لا يكون عبئًا عليه، فلما حوصرت بنو هاشمٍ في الشعب كان أبو طالب – رغم كفره- أحد الذين حوصروا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الشعب.

وبلغ من محبته – رغم الكفر- مع النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا جاء الليل يحمل النبي عليه الصلاة والسلام من مكانه ويضعه في مكانًا آخر، ثم يأتي بأحد أبنائه ويضعه مكان النبي عليه الصلاة والسلام حتى إذا أراد أحدٌ قد بيت النية أن يغتال النبي عليه الصلاة والسلام وهو نائم يغتال ابنه لصلبه ولا يغتال النبي عليه الصلاة والسلام، هذا يفعله كله وهو مشرك، يقول الله في الأنعام ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ [الأنعام: 26]، ﴿ يَنْهَوْنَ ﴾ عن أحدٍ أن يقتل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ﴾ أي أنه لا يقبل أن يدخل في الدين، حتى تعلم أن الهداية مردها إلى الرب تبارك وتعالى.

ويجب على العاقل المسلم أن يستفيد من الأوضاع التاريخية التي يعاصرها، فأبو طالبٍ كان كافرًا فاستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من جاه عمه ومن نصرته، ولم يقل إنه كافرٌ ولا أستعين به ولا ألجأ إليه لأن الأوضاع تختلف من زمنٍ إلى زمن ومن مرحلةٍ نصرة الدين

فاعمل به ولا تبالي، لأنه لا يخلو الأمر من مصالح ومفاسد، لكن إذا كان الإنسان يقدم أعظم المصلحتين ويدرأ أعظم المفسدتين فإن المقصود الأعظم نصرة الدين، وقد قبل صلى الله عليه وسلم أن يكون مع عمه وهو كافرٌ يسجد لغير الله في شعبٍ واحدٍ استفادةً من جاه عمه ونصرته، وكان عليه الصلاة والسلام يُثني على عمه وتشفع له عند ربه أن يكون أهون أهل النار عذابًا، هذه الفائدة الأولى.

قلنا في الفائدة الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من نصرة عمه أبي طالب، الفائدة الثانية أن الهداية بيد الله، وأن الإنسان قلبه كقلب غيره مُعلقٌ بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنت لا تفرح بشيءٍ أعظم من نعمة الهداية، فإن نعمة الهداية التي رزقك الله إياها أو رزقكِ الله إياها يا أختاه حُرمها أبو طالب من نصر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تعلم فضل الرب تبارك وتعالى عليك، ولا ييأسن أحدٌ من أحدٍ وهو يدعوه، ولا يُجزم أحدٌ في أحدٍ وهو يراه، بمعنى مهما رأيت على رجلٍ من الصلاح لا تقطع له بجنةٍ ولا بنار، ومهما رأيت على أحدٍ من سوءٍ وفساد لا تقطع له بجنةٍ ولا نار، إنما الأعمال بالخواتيم.

كان عبد الله بن أبي الصرح أحد الصحابة، أسلم قديمًا ثم هاجر إلى المدينة، وكان يجيد الكتابة، وكان يكتب الوحي لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فلما نزلت سورة المؤمنون كان جبريل يمليها على النبي عليه الصلاة والسلام وعبد الله بن أبي الصرح يسمعها منه، فقرأ جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾ [المؤمنون: 12] فكتبها عبد الله، يقرأها النبي عليه الصلاة والسلام فيكتبها عبد الله، ثم قرأ ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾ [المؤمنون: 13] فكتبها، ثم أتم الآية، ثم أتم الآية حتى قال ﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ ﴾ [المؤمنون: 14] فكتبها عبد الله، فقال عبد الله قبل أن يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 14]، فقال صلى الله عليه وسلم ( هكذا أُنْزلت عليّ ) أو ( هكذا أملاني إيّاها جبريل )، فطبق المصحف – وما كان يُسمى مُصحفًا، سُمِّي مُصحفًا في عهد أبي بكر-، فطبق الورقة التي كان يكتبها وقال: إن كان محمدٌ كاذبًا فأنا أكذب كما يكذب محمد، وإن كان محمدٌ صادقًا فأنا يوحى إليّ كما يوحى إلى محمدٍ، وترك الإسلام وخرج من الدين ورجع إلى الكفر، وأصبح كافرًا حتى كان عام الفتح.

عبد الله هذا أخٌ لعثمان رضي الله عنه من الرضاعة، فلما كان عام الفتح دخل عثمان به على النبي صلى الله عليه وسلم – وكان عليه الصلاة والسلام قد أباح دمه أو هدر دمه- فطلب له العهد – أي طلب له أن يصون دمه- فسكت صلى الله عليه وسلم وهو في ملئٍ بين أصحابه وجعل يحدق النظر فيه مدةً طويلة، فلما ألحَّ عثمان على رسول الله قال ( نعم ) أي أجرناه، فخرج عثمان بأخيه عبد الله خارج معسكر المسلمين،

فلما خرجوا قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه ( أما قام منكم من أحدٍ إذ قد رآني قد أبطأتُ عنه فيضرب عنقه )، قالوا يا رسول الله لم نكن ندري ما مرادك، لو أشرت إلينا بعينيك، قال ( لا ينبغي لنبيٍ أن تكون له خائنة الأعين ).

موضع الشاهد هذا الرجل الذي ارتد أصابه الندم على ما كان من الردة، فلما أسلم يعمل من الصالحات تعويضًا عما فات، فلما كانت الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما ترك الفتنة واعتزلها وسكن في عكة في أرض فلسطين، ومكث حريصًا على الصلوات خوفًا من أن يُختم له بسوء، حتى كان ذات ليلة دعا ربه: اللهم أمتني وأنا أصلي الفجر، فلما كانت صلاة الفجر صلى بالناس إمامًا، قرأ في الأولى والعاديات ضبحًا -ولم ينقل الرواة ماذا قرأ في الركعة الثانية-، ثم سلم التسليمة الأولى – لم تتحقق الإجابة- وقبل أن يُسلم التسليمة الثانية فاضت روحه إلى ربه جلّ وعلا وقد مات في صلاة الفجر كما دعا.

المقصود من هذا انظر الرجل كيف تقلب ثم استقر على خير حال، فالقلوب بين يدي الرحمن، هذا أبو طالب مع النبي عليه الصلاة والسلام في الحرب والسلم والسراء والضراء، وأقول الحرب تجويزًا فلم يكن في مكة حرب، ومع ذلك لم يُرزق الهداية، وقد يُرزقها رجلٌ في أقاصي الأرض كما قال الله ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: 56]، نسأل الله لنا ولكم الثبات على هذا.


( فلما بلغ اثنتي عشرة سنة، خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بُصْرَى فرآه بحيرى الراهب، فعرفه بصفته، فجاء وأخذ بيده وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، هذا يبعثه رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أقبلتم من العقبة لم يبق شجرة، ولا حجر، إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب فرده خوفًا عليه من اليهود )

هذه رحلة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى إلى الشام وفيها خبر بُحيرى الراهب، لكن قبل بحيرة ما نُقل أن الراهب قال أنه "لما دخل لم يبق حجرٌ ولا شجرٌ إلا سجد له" نقول فيها ما يلي هذه غير ثابتة، وإن ثبتت فيكون تخريجها على أن المقصود بالسجود هنا سجود تحية لا سجود عبادة، إن ثبتت فيكون تخريجها على أن من سجد من حجرٍ أو شجر يكون سجد سجود تحية لا سجود عبادة، لأن الله لا يأذن لأحدٍ شرعًا أن يسجد لغيره تبارك وتعالى، فسجود الملائكة لآدم وسجود أخوة يوسف ليوسف كله كان سجود تحية ولم يكن سجود عبادة، والمقصود منه أنه صلى الله عليه وسلم كان معروفًا في التوراة، وهذا الراهب اطلع على ما في التوراة، فقطعيٌّ أنه عرف فيه من الدلائل ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم سيكون خاتم الأنبياء.

( ثم خرج ثانيًا إلى الشام مع ميسرة غلام خديجة رضي الله عنها في تجارة لها قبل أن يتزوجها، حتى بلغ إلى سوق بُصْرَى، فباع تجارته )

هذه هي الرحلة الثانية، وكانت كما ذكر المصنف مع ميسرة غلام خديجة، وهذه أحد الأسباب التي أرادها الله تبارك وتعالى حتى يتزوج صلى الله عليه وسلم من خديجة بنت خويلد، ونقف هنا عند خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ونقول علميًا لها خصائص لا يشاركها فيها أحدٌ من أمهات المؤمنين، ولها خصيصة واحدة لا يشاركها فيها أحدٌ من نساء العالمين، فمن الخصائص التي لم يُشاركها في أحدٌ من أمهات المؤمنين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها وهي حية، فلم يجمع بينها وبين أحدٍ من النساء، والثانية أن الله رزقه منها الولد ولم يرزقه بولدٍ من غيرها إلا ما كان من جاريته مارية أم إبراهيم، هذه الخصائص التي تفردت بها خديجة رضي الله تعالى عنها عن أمهات المؤمنين.

أما الخصيصة التي تفردت بها عن نساء العالمين أجمعين أن الله جلّ وعلا بلغها سلامه مع جبريل عليه السلام، وهذه خصيصة لا يُعلم نقلا أن أحدًا من نساء العالمين نالها، رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم – كما في الصحيحين- أنه قال ( إنّي رُزقتُ حبها )، أي حب خديجة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

والمقصود أن هذه كانت هي الرحلة الثانية له صلى الله عليه وسلم إلى الشام، وخديجة هي أول نسائه، وسيأتي فصلٌ عن نسائه صلوات الله وسلامه عليه.

( فلما بلغ خمسًا وعشرين سنة تزوج خديجة عليها السلام.فلما بلغ أربعين سنة اختصه الله بكرامته، وابتعثه برسالته، أتاه جبريل عليه السلام

وهو بغار حراء – جبل بمكة -، فأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وقيل خمس عشرة، وقيل: عشرًا، والصحيح الأول.)

هذا ذكر ما كان له صلى الله عليه وسلم عند تمام الأربعين، في تمام الأربعين لما قاربها بدأ ما يدل على أن الله جلّ وعلا سيختصه بأمرٍ عظيم، فكان لا يمشي في طرقات مكة إلا ناداه الحجر والشجر "السلام عليك يا نبي الله" فيلتفت يمينًا وشمالا فلا يرى شخصًا ولا خيالا فيتعجب ويمضي، ثم حُبب إليه الخلاء بعد أن أصبح يرى الرؤيا فتقع كفلق الصبح، فحُبب إليه الخلاء فأخذ معه سويقًا وماءً وكان يتحنث ليالي ذوات عدد في غار حراء يتأمل في ملكوت الله، وكل هذا يمضي بقدر الله حتى أتم عليه الصلاة والسلام رأس الأربعين.

 فلما أتمها جاءه جبريل بالوحي من الله ليعطيه أعظم شرفٍ على الإطلاق وهو أنه خاتم النبيين، ولم يكن عليه الصلاة والسلام قد رأى الملك من قبل لا في صورته الحقيقية ولا في غيرها، كان رجلا من عامة الناس، ما بين هذه اللحظة وهذه اللحظة أصبح خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، جاءه الملك قال: اقرأ، فقال ( ما أنا بقارئ ) أي لا أجيد القراءة، فالملك يردد الطلب، والنبي صلى الله عليه وسلم يردد الإجابة، ثم قال له الملك ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1-5]، الخمس الآيات الأول من سورة العلق، فنزل صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده تتسابق خطواته يَشْكُلُ عليه أمران، لذة المناجاة، والخوف والفزع الذي أصابه مما رآه لأول وهلة.

حتى وصل إلى خديجة رضي الله عنه وأرضاها، فلما أخبرها بما رأى صدقته فأصبحت خديجة أول خلق الله إيمانًا برسولنا صلى الله عليه وسلم، فأصبحت خديجة أول هذه الأمة إيمانًا برسولنا صلى الله عليه وسلم، فضمته وهو يقول ( دثروني دثروني زملوني زملوني )، ولما أخبرها الخبر كانت تعلم أن باطنه وظاهره سواء: فقالت: والله لا يخزيك الله أبدًا، ثم هذا اليمين استدلت عليه بدلائل، قالت: إنك لتعين على نوائب الحق وتحمل الكل وتُقري الضيف، وأخذت تُعدد ما تراه وما تُشاهده من زوجها صلوات الله وسلامه عليه، وأنه أهلٌ للنبوة عليه الصلاة والسلام فلم تُفاجأ أنه سيُنبأ لما علمت رضي الله عنها وأرضاها وهي تعاشره وتخالطه ويأوي إليها من عظيم صفاتها وجليل مناقبه التي فطره الله جلّ وعلا عليها قبل أن يُنبأ.

الإنسان إذا خاف يحتاج إلى شيءٍ ثقيل يُمسك جوارحه حتى تقل وحشته، فكانت بدهيًا أن يقول ( زملوني زملوني دثروني دثروني ) لأن الخوف بلغ به مبلغا، فدثرته خديجة فأنزل الله جلّ وعلا عليه قوله ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ [المدثر: 1، 2] و ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [المزمل: 1، 2]،

فأخذ صلى الله عليه وسلم يدعو إلى ربه.

ثم انقطع الوحي فترةً لحكمةٍ إلهية، لما انقطع الوحي لفترة ذهب الخوف وبقيت لذة المناجاة، فأصبح صلى الله عليه وسلم في أعظم الشوق للمناجاة، فلما جاءه الوحي مرةً أُخرى بالقرآن كان صلى الله عليه وسلم في أكمل حال يبلغ رسالة ربه على أكمل وجه.

ثم قال المصنف أنه عاش بمكة ثلاثة عشر سنة هذا هو الصحيح، وغيره شاذٌّ لا يُعوّل عليه، وفي المدينة عشر سنين بعد أن هاجر إليها صلوات الله وسلامه عليه.

الصلاة أعظم فرائض الدين، وكان صلى الله عليه وسلم يُصلي قبل أن تُفرض عليه الصلوات الخمس –على الأظهر- ركعتين قبل الغروب وركعتين قبل طلوع الشمس، وكان يُصلي بين الركنين اليمانيين، فالإنسان إذا وقف بين الركنين اليمانيين واستقبل القبلة يُصبح بيت المقدس أمامه، فيكون صلى الله عليه وسلم في آنٍ واحدٍ قد جمع بين استقبال بيت المقدس لأنه شمال مكة، وما بين استقبال الكعبة، يعني لم يجعل الكعبة وراء ظهره، فكان يصلي على هذه الحال. ثم فُرضت عليه الصلوات الخمس في رحلة الإسراء والمعراج، ثم هاجر إلى المدينة فمكث فيها ستة عشر شهرًا ثم أنزل الله جلّ وعلا قوله ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 144]، فولى النبي صلى الله عليه وسلم شطر المسجد الحرام، وعلى هذا يُفهم أن ما يُنقل من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبني المسجد جاءه جبريل فمحى ما بينه وبين مكة حتى رأى الكعبة فجعل القبلة عليها غير صحيح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بنى المسجد كانت قبلته جهة الشمال، ولم تكن جهة مكة جهة الجنوب، وإنما بُدل هذا بعد ستة عشر شهرًا، لكن إن قيل أن هذا حصل بعد التبديل فربما يكون له وجهٌ من النظر.

هجرته صلى الله عليه وسلم:

(ثم هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، وهو كافر ولم يعرف له إسلام.وأقام بالمدينة عشر سنين )

صلوات الله وسلامه عليه، ذكر لنا المصنف هنا هجرته إلى المدينة، النبي عليه الصلاة والسلام لما اشتد عليه أذى الكفار رأى رؤيا أنه يهاجر في أرضٍ ذات نخل، فجاء في ظنه أنها أرض هجر ـ الأحساء ـ ، ثم استبان له عليه الصلاة والسلام أنها المدينة نخلٌ بين حضرتين، فهاجر إليه عليه الصلاة والسلام. والهجرة قصتها معروفة، لكن الذي يعنينا في الهجرة كدرس أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم هناك أمورٌ تتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، وأمور تتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عظيمٌ عند الله، فما كان يتعلق بكونه نبيٌ له مقامٌ عند الله لا علاقة لنا به من حيث الاقتداء، وما يتعلق بكونه نبيًا يُقتدى به هذا الذي لنا علاقةٌ به، وحتى تتضح الصورة نقول أن الله جلّ وعلا أسرى به في برهةٍ من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعرج به في نفس الليلة إلى السماوات السبع، وعاد به ليلتها، ولأنها رحلةٌ لا يتعلق بها اقتداءٌ جعلها الله جلّ وعلا رحلة خارجة عن نطاق البشر، ولذلك لما يتعلق برفيع مقامه، ولا نؤمر نحن بالعروج. أما الهجرة فتتعلق بكونه نبيٌ يُقتدى به، فلما كان النظر إليه صلى الله عليه وسلم هنا على أنه يُقتدى به في هذا الأمر كانت الرحلة أمرًا بشريًا بحتًا أخذ له صلى الله عليه وسلم الأسباب التي يأخذها البشر عادةً فتخفى، ووارى، وخرج في الجهة التي لا يُعتقد أنه سيخرج إليها، وجعل عليًا مكانه على الفراش، واختفى في الغار ثلاثة أيامًا، وأمر من يمسح آثاره بعد صعوده إلى الجبل، ووُضع له الطعام يُذهب به إليه ولم يمت من الجوع، زادٌ مادي، وزادٌ معنويٌ مع الله، وجلس في الغار ثلاثة أيام، ثم مكث تقريبًا أحد عشر يومًا في الطريق معه دليلٌ كافرٌ يدله على الطريق، ومعه مولًى لأبي بكرٍ يعينه في الطعام والشراب، ومعه صاحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذه كلها أسبابٌ مادية، ولو استغنى عن الأسباب أحدٌ لاستغنى عنها رسولنا صلى الله عليه وسلم.

والناس في هذا الباب على ثلاثة فرقٍ، فرقة تترك الأخذ بالأسباب كليةً وتقول: جنونٌ منك أن تسعى لرزقٍ ويُرزق في غياهبه الجنين وهذا باطلٌ لا تدل السنة عليه.

وفرقةٌ لا تعرف الله أبدًا، وإنما تنظر إلى الماديات، وهو ما تمليه العلمانية المعاصرة. وفرقةٌ هداها الله للإيمان وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم فتأخذ بالأسباب وتعتمد على الملك الغلاب جل شأنه، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه حتى يقتدي الناس به عليه الصلاة والسلام، هذه هي القضية الأولى.

القضية الثانية بالهجرة أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كانت الولاة تكتب لعمر فيرد عليها حصل هذا في شعبان، حصل هذا في رمضان، حصل هذا في شوال، فكتبت الولاة الأمراء العمال الذين لعمر كتبوا له إننا لا نفهم منك، أي شوالٍ تقصد؟ أي شعبان، فلو جعلت لنا شيئًا نفيء إليه نؤرخ.

فاجتمع رضي الله عنه الله مع الصحابة واختاروا أن يختاروا حدثًا يُرخون به، فنظروا في ثلاثة أمور، مولد النبي عليه الصلاة والسلام، وهجرته، ووفاته، فأعرضوا عن المولد، وأعرضوا عن الوفاة، واختاروا الهجرة ورأوها أنها يومٌ فرق الله به بين الحق والباطل وأقام به بعده دولة الإسلام، وكان هذا مشورة من عليٍ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وأقره عمر، ثم أجمع المسلمون عليه، وهذا من أعظم الدلائل على عظيم حدث الهجرة في التاريخ الإسلامي.

واستعانة النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أرقيط –على رواية وعبد الله بن أريقد بالدال على رواية، ولا يعنينا هذا الاختلاف- دلالة على أن المؤمن يستعين بما يمكن الاستعانة به إذا احتاج إليه إذا كان المقصود نصرة دين الرب تبارك وتعالى.

 وفاته صلى الله عليه وسلم:

(وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وقيل: خمس وستين. وقيل ستين، والأول أصح.وتوفي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين حين اشتد الضحى لثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، وقيل: لليلتين خلتا منه، وقيل: لاستهلال شهر ربيع الأول. ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: ليلة الثلاثاء )

السن التي مات فيها صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثًا وستين، هذه هي الروايات الصحيحة، وتوجد روايات في الصحيح أنه كان ابن خمسٍ وستين، لكن الصواب أن هذه روايةٌ شاذة في متنها وإن كانت مثبتةٌ في أحد الصحيحين، قال هذا بعض العلماء، وقال بعضهم إنه يمكن الجمع بأن العرب تتجاوز عن الكسر، هذه العبارة أن العرب تتجاوز عن الكسر يمكن إمرارها على القول في رواية بأنه مات ابن ستين سنة، يمكن أن نقول إن من قال إنه مات وهو ابن ستين لم يقصد بها. أما القول على أنه مات وهو ابن خمس وستين صلوات الله وسلامه عليه فلا يمكن تخريجها إلا أن تُرد الرواية، لأنه لا يمكن الجمع ما بين القول بأنه مات وهو ابن ثلاث وستين ومات وهو ابن خمس وستين، وأكثر الروايات الصحيحة والتي دلت عليها الروايات المتعددة وأشياء أخرى وقرائن كُثر على أنه مات صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة.

( وكانت مدة علته اثني عشر يومًا، وقيل: أربعة عشر يومًا.وغسله علي بن أبي طالب، وعمه العباس، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولياه، وحضرهم أوس بن خولي الأنصاري )

هذا ما يتعلق بوفاته صلى الله عليه وسلم، واعلم أن الأمة لم تُصب بشيءٍ أعظم من وفاته عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال ( تعزوا عن مصائبكم بمصيبتي )، والحديث عن وفاته صلى الله عليه وسلم يحرك القلوب ويثير الشجون، ولكنني مُلزمٌ بالحديث عنه وفق المتن، ثم أتكلم عن الحديث عنه إجمالا.

ذكر المصنف رحمه الله تعالى الاختلاف في مدة مرضه عليه الصلاة والسلام وذكر منها ثلاثة عشر يومًا أو أربعة عشر يومًا أو اثني عشر يومًا، والحق أن مدة مرض الوفاة عشرة أيام، وإن كان الأمر في هذا واسع بغير التحديد في بداية المرض، والمحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم، كان أول ما اشتكى وهو راجعٌ من جنازةٍ من البقيع، شعر بصداعٍ في الرأس وحُمّى أصابته معها، ثم لما دخل بيته وجد عائشة قد عصبت رأسها تقول وارأساه، فقال ( بل أنا وارأساه )، هذا أول ما اشتكى المرض صلوات الله وسلامه عليه، وهذا في آخر صفر وأول ربيعٍ الأول.

ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى أن الذين تولوا غسله عليه الصلاة والسلام عليٌّ والعباس وقثم والفضل وشقران وأسامة بن زيد وحضره أوس بن خولي، هذا فيه تفصيل، الإنسان الميت أولى الناس به أهل بيته، والنبي صلى الله عليه وسلم تولى أهل بيته وعصبته من بني هاشم أمر غسله، والذي باشر الغسل مباشرةً عليٌ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أسند النبي صلى الله عليه وسلم وهو ميتٌ إلى صدره، والذي كان يقلب النبي عليه الصلاة والسلام لعليٍّ عمه العباس وابنا العباس قثمٌ والفضل، هذان ابنا العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان يصب الماء أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه وشقران –واسمه صالح-، وسيتكرر شقران هذا مرةً باسمه ومرة بلقبه، اسمه صالح ولقبه شقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم.

قبل أن يشرع عليٌ رضي الله عنه في غسل نبينا صلى الله عليه وسلم ناداه أوس بن خولي من بني عوفٍ من الخزرج من خلف الدار:يا علي أنشدك الله وحظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أدخلتني أشهد غسله، فوافق عليٌّ رضي الله عنه لأن زمام الأمر بيده وبيد بني هاشم، لأن القضية الآن قضية عصبة وليست قضية صحبة، ولذلك لا دخل لأبي بكرٍ ولا عمر، فأذن عليٌّ لأوسٍ أن يدخل وأن يجلس دون أن يُباشر غسل النبي عليه الصلاة والسلام، فأوسٌ شهد الغسل لكنه لم يشارك فيه، شهده رغبةً منه رضي الله عنه وأرضاه أن يحظى بأن يكون ممن يشهد غسل نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.

وقلتُ إن الذي باشر الغسل عليٌ فقط، والقثم والفضل وأبوهم العباس يقلبون النبي عليه الصلاة والسلام، وشقران وأسامة يصبان الماء، وعليٌّ مسندٌ رسول الله إلى صدره من غير تجريدٍ من ثيابه وبيده خرقة يغسل بها النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول ما أطيبك يا رسول الله حيًّا وميتا. هذا ما ذكره المصنف في غسل نبينا صلى الله عليه وسلم.

( وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من ثياب سحول – بلدة باليمن – ليس فيها قميص ولا عمامة. وصلى عليه المسلمون أفذاذًا، لم يؤمهم عليه أحد )

ذكر المصنف بعد ذلك أنه لما فرغوا من غسله كفنوه، وكُفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثوابٍ سحولية –بلدةٌ في اليمن-، والثياب كانت من قطن، ولذلك جاءت في بعض الروايات أنها من كرسف، والكرسف هو القطن، فكفن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب، أدرج فيها إدراجًا دون أن يخلعوا ما كان عليه من ثيابٍ، ثم شرع المسلمون يصلون عليه، والناس الآن يصلون على الميت جماعةً خلف إمام كما صلى النبي عليه الصلاة والسلام على أموات المسلمين في حياته، صفهم لما صلى على النجاشي، وصفهم لما صلى على غيره، لكن الصحابة رضي الله عنهم لم يصلوا على النبي عليه الصلاة والسلام خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفرادًا، هذا معنى أفراد ، هذا معنى أفذاذًا ، كل شخصٍ يُصلي لوحده من غير إمام. والروايات جملة تدل على أن أول من صلى عليه عمه العباس لكون كبير بين هاشم وعم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أخذوا يصلون عليه عشرة عشرة، فصلى عليه أول الأمر بنو هاشم آله عليه الصلاة والسلام، ثم صلى عليه المهاجرون، ثم صلى عليه الأنصار، ثم صلى عليه باقي الناس، ثم صلى عليه النساء ثم الصبيان، وقيل الصبيان ثم النساء، والمقصود المتفق عليه أنهم لم يصلوا عليه خلف إمام، وإنما صلوا عليه أفذاذًا –أي أفرادًا-.

واختلف العلماء في العلة التي من أجلها صلى المسلمون الصحابة على نبيهم صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة، وقيل في هذه أجوبة، قيل إن هذا من باب التعبد الذي لا يُعقل معناه، لك أجمل الأجوبة التي قيلت ما قاله أبو عبد الله الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال إن الصحابة صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم أفذاذًا لعظيم قدره وعلى أنه لا يمكن أن يأمهم عليه أحد لمنافستهم على أنه يأمهم عليه أحد، يعني استعظموا أن يأمهم أحدٌ وهم يصلون على نبيهم صلى الله عليه وسلم ولعظيم قدره، هذا تعليل الشافعي رحمه الله، وقال غيره –ولا تعارض بين تعليل الشافعي وتعليل غيره- أنه حتى تكثر الصلاة عليه لكثرة من يصلي عليه أفرادًا، تكثر الصلاة عليه جماعةً بعد جماعة، عشرةً بعد عشرةً، كلهم يصلي عليه فردًا فردًا . هذا من إكثار الصلاة عليه عليه الصلاة والسلام، وقيل حتى تكون الصلاة فردية من المصلي إليه صلوات الله وسلامه عليه.

كل هذه أجوبة ذكرها العلماء في سبب أن الصحابة رضي الله عنهم لم يصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم خلف إمامٍ واحد، وقلنا إن الأمر المتفق عليه أنهم لم يصلوا عليه خلف إمامٍ واحد.


 مجموعة فوائد - فصل في أولاده :

كنا قد ذكرنا شيئًا من نسبه عليه الصلاة والسلام ومولده وهجرته، ثم انتهينا إلى وفاته صلوات الله وسلامه عليه، وذكرنا جملةً من الفوائد لعله قد يكون من المناسب استحضار بعضها، فإننا ذكرنا زواجه عليه الصلاة والسلام من خديجة بنت خويلد، وقلنا إن هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين خصّها الله جلّ وعلا ببعضٍ من الخصائص، منها من انفردت به عن أمهات المؤمنين، ومنها ما انفردت به عن نساء العالمين أجمعين،

فما الذي انفردت به عن أمهات المؤمنين؟

أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج عليها أحدًا في حياتها.

والثانية: أن الله جلّ وعلا رزقه منها الولد. هذا من انفردت به عن أمهات المؤمنين، ثم قلنا إن لها خصيصة ليست لأحدٍ من نساء العالمين، أن الله أمر جبريل أن يُبلغها السلام، وهذه الخصيصة لم تكن لأحدٍ –فيما نعلم- من نساء العالمين.

ثم إننا ذكرنا أن الهجرة حدثٌ يتعلق بشخصيته صلى الله عليه وسلم كقدوة، وقلنا ما كان يتعلق به كقدوة هذا الذي يُحتذى به، أما ما كان لا يتعلق به كقدوة فهذا يُعلم ويُعرف له قدره عليه الصلاة والسلام، لكن الأمة غير ملزمةٍ به، وذكرنا على هذا مثالا حادثة الإسراء والمعراج.

كما أننا تكلمنا عن أبي طالب، وقلنا إنه ناصر النبي عليه الصلاة والسلام وعضده وكان معه في شعب بني هاشم حينما حاصرت قريشٌ النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أنه يتعلق بنصرة أبي طالبٍ للنبي عليه الصلاة والسلام فوائد ذكرنا منها فائدتين:

• أن الإنسان يستخدم الوسائل التاريخية المتاحة إذا كان في ذلك نُصرةً للإسلام.

• والثانية الهداية، وقلنا إن كون أبي طالبٍ رغم نصرته للنبي عليه الصلاة والسلام لم يُرزق الهداية يدل على أن الهداية بيد الرب تبارك وتعالى، ونسأل الله جلّ وعلا أن يثبتنا وإيّاكم على هديه.

( وفرش تحته قطيفة حمراء كان يتغطى بها )

الأصل أن الميت لا يُفرش له شيءٌ في قبره، دفن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا من أصحابه ماتوا في حياته ولم يُنقل أنه أُدخل معهم في قبرهم شيءٌ، ولكن هذه القطيفة كان عليه الصلاة والسلام يفرشها ويجلس عليها ويلبسها أحيانًا، فأنزلها شقران الذي هو صالح مولاه معه في القبر، ثم فرشها وجعل النبي عليه الصلاة والسلام عليها، وأصل هذا الكلام الذي ذكره المصنف في صحيح مسلمٍ من حديث ابن عبّاس.

على هذا تتحرر مسألة هل يجوز أن يُفرش تحت الميت قطيفة أم لا؟

قال بعض العلماء في الإجابة عن هذا وحكاه النووي عن الجمهور أنه يُكره فعله وأن شقران فعلها دون علم الصحابة لأنه كره –أي شقران- أن يلبسها أحدٌ بعد نبينا صلى الله عليه وسلم.

وهذا التعليل الذي ذكره النووي رحمه الله غير صحيح، أو بتعبيرٍ أصح ضعيف، لأننا نقول إن الله جلّ وعلا لا يختار لنبيه إلا الأفضل، فما كان الله ليسمح قدرًا لشقران أن يضع هذه القطيفة تحت النبي صلى الله عليه وسلم والله يكره ذلك، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يكفله ربه ويرعاه ويحفظه ويُحيطه بعنايته حيًا وميتًا، فينجم عن هذا تخريجًا أسهل فنقول إنه يُكره بل قد يصل أحيانًا إلى حد المنع أن يوضع تحت أي ميّت قطيفة حمراء أو قطيفة من أي نوع، وإنما هذه خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن قال قائل ما وجه الخصوص هنا، قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الأرض حرّم الله عليها أن تأكل أجساد الأنبياء، فلأن الأرض لا تأكل جسده أذن الله قدرًا لشقران أن يضع هذه القطيفة تحت نبينا صلى الله عليه وسلم.

وبهذا يمكن تخريج المسألة بأن الله لا يختار لنبيه إلا الأفضل، وأن هذا من خصائصه، وممن نص من العلماء على أن هذه خصيصةٌ للنبي صلى الله عليه وسلم وكيع بن الجراح المحدث المشهور، شيخ كثير من السلف كالإمام أحمد وغيره، فوكيعٌ نص على أنها خصيصة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا يظهر لنا أنه ينجلي الإشكال في المسألة، والله أعلم.

( ودخل قبره العباس وعلي والفضل وقثم وشقران، وأطبق عليه تسع لبنات، ودُفن في الموضع الذي توفاه الله فيه حول فراشه، وحفر له وألحد في بيته الذي كان بيت عائشة، ثم دفن معه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - )

أما كون من نزل معه القبر فقد ذكر المصنف رحمه الله أنه نزل القبر خمسة، العباس وقثمٌ والفضل وعليٌ وصالحٌ مولاه الذي هو شقران، وهذا روايةٌ أضعف والصحيح أن الذي نزل القبر أربعةٌ فقط ليس منهم العباس، ذكر المقدسي رحمه الله في هذا أن العبّاس منهم كما ذكره النووي، لكن الصحيح أن الذي نزل القبر أربعة هم قثمٌ والفضل ابنا العبّاس بن عبد المطلب وعليٌّ ومولاه شقران، هؤلاء الأربعة الذين تولوا نزول قبره وإجنانه –أي ستره صلى الله عليه وسلم – دون الناس، هؤلاء الذين نزلوا القبر.

ثم وُضعت عليه تسع لبناتٍ، وقبلها كانوا قد اختلفوا هل يلحدون له لحدًا كما هو صنيع أهل المدينة، أما يجعلون القبر شقًا كما هو صنيع أهل مكة، فبعثوا إلى الاثنين وقالوا: اللهم خِر لنبيك –أي اختر لنبيك-، فالذي ذهب ليأتي بالحفار الذي يشق لم يأت ولم يجده، والذي ذهب إلى بيت أبي طلحة وكان يلحد لأهل المدينة -أي يضع لحدًا في القبر- جاء وحفر القبر للنبي عليه الصلاة والسلام.

وقبل أن يحفروا القبر اختلوا أين يُدفن، وهذا أحد أسباب تأخير دفن النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما أقول أحد الأسباب يدل على أن هناك أسبابٌ أخرى، هذا أحد الأسباب التي دعت الصحابة إلى أن يتأخروا في دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكرٍ رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ما مات نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض )، وهذا القول أحد خصائص الأنبياء، وهذا –إن صحّ القول- يقودنا –من باب الاستطراد العلمي- لمعرفة بعض خصائص الأنبياء كفوائد.

الله جلّ وعلا جعل للأنبياء خصائص نذكرها إجمالا:

• منها الوحي، وهو أعظم خصائص الأنبياء، الوحي الذي هو أعظم خصيحة فرق الله بها بني

الأنبياء وغيرهم من الناس.

• الأمر الثاني أنهم يُخيرون عند الموت.

• الأمر الثالث أنهم يُدفنون حيث يموتون.

• الأمر الرابع أن الأرض لا تأكل أجسادهم.

• الأمر الخامس أنهم جميعًا رعوا الغنم، قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر ( وما من نبيٍ إلا رعاها )، لما جنى معهم الكَبَاث قال ( عليكم بالأسود منه فإنه أطيبه )، قالوا: يا رسول الله كأنك كنت ترعى الغنم، قال ( وهل من نبيٍ إلا رعاها، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة ).

• الأمر السادس أنه تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.

هذه ستةٌ من خصائص أنبياء الله صلوات الله وسلامه عليهم ذكرناها استطرادًا، وجاء معنا أن النبي عليه الصلاة والسلام دُفن في الموقع الذي مات فيه –أي في حجرة عائشة-، وهذا مما تناقل تواترًا بين المسلمين وتحرر أنه في المكان المقبور فيه.

ثم قال المصنف ( ثم دفن معه أبو بكر وعمر – رضي الله عنهما - )

أبو بكرٍ وعمر دُفنا في نفس حجرة عائشة، وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها –وهذا من الفوائد وفرائد العلم- قد رأت قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم في منامها أن ثلاثة أهلة أو أقمار سقطت في حجرها، فذهبت إلى أبيها أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه وقصت عليه الرؤيا وكان أبو بكرٍ مما يُعبر، فسكت عنها ولم يجبها أدبًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما مات عليه الصلاة والسلام ودُفن في حجرة عائشة جاء أبو بكرٍ إلى عائشة وقال لها "هذا أول أقمارك يا عائشة"، ثم دُفن أبو بكرٍ رضي الله عنه بجوار النبي صلى الله عليه وسلم.

وكانت عائشة رضي الله عنه تريد أن تدخر ما بقي من الحجرة لها، فلما مات أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قبل أن يموت أرسل ابنه عبد الله يستأذن عائشة في أن يُدفن ما صاحبيه وقال: قل لها عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فدخل عليها عبد الله وقال لها: عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن مع صاحبيه، فقالت: لأوثرنه اليوم على نفسي وقد كنت أدخره –أي الموضع- لنفسي، فوافقت، فلما رجع عبد الله إلى أبيه كان عمر مازال حيًّا طريح الفراش من طعنة أبي لؤلؤة المجوسي، فلما دخل قال: ما وراءك، يعني يسأل ما الجواب، قال عبد الله ابنه: أبشر بالذي يسرك يا أمير المؤمنين فإنها قد وافقت، فقال عمر رضي الله عنه: والله ما من شيءٍ كان أهم عليّ من هذا الأمر، أن يُدفن مع صاحبيه.

ثم ظهرت عدالة عمر بجلاء فقال: فإذا أنا مت فغسلوني وكفنوني ثم استأذنوا لي منعائشة مرةً أُخرى فإنني أخاف أنها وافقت في الأول استحياءً مني أنني حيٌّ، فلما مات عمر وغُسِّل وكُفن وصُلِّي عليه وحُمل قيل لها وهو محمولٌ على أعناق الرجال: عمر بن الخطاب يستأذن أن يُدفن مع صاحبيه مرةً أُخرى، فوافقت رضي الله عنها فدُفن عمر مع النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه، وقال بعض المؤرخين بقي موضع جملةٌ من الروايات تدل على أنه سيدفن فيه عيسى بن مريم، والله تعالى أعزُّ وأعلى وأعلم.

قبل أن نُكمل هذا ما تقيدت به في شرح النص الذي ارتبط بالمتن، أما الكلام عن وفاته عليه الصلاة والسلام جملةً فسأسردها إجمالا مُّبينًا بعض ما فيها من فوائد بعد أن انتهينا بما يتعلق بذمتنا الشرعية حول النص. لم يفقد الناس أحدًا أعظم من رسولهم صلى الله عليه وسلم، وقد شعر صلى الله عليه وسلم بدنو الأجل في حجة الوداع لما أنزل الله جلّ وعلا عليه قوله ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3] عرف صلى الله عليه وسلم أن الأمر الذي بُعث من أجله قد تم، فأخذ يودع الناس ويقول ( لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا )، فيخطب ثم يقطع ويقول ( أيها الناس لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، وإنكم ستُسألون عني فما أنتهم قائلون )، فيجيبون: نشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة، فيرفع إصبعه الطاهر إلى السماء ثم ينكتها إلى الأرض ويقول ( اللهم فاشهد، اللهم فاشهد ).

ثم رجع إلى المدينة تشرف به الوهاد والنجاد في حتى دخلها، في آخر صفر وأول ربيع حضر جنازةً فلما رجع شعر بصداعٍ في رأسه وحمَّى تُصيبه فدخل على عائشة فقالت: وارأساه، فقال ( بل أنا وارأساه )، فلما شعر بدنو الأجل خرج إلى شهداء أُحد فاستغفر لهم ودعا لهم كالمودع، ثم خرج في ليلة مع غلامٍ له يُقال له أبو مُويْهبة فأتى أهل البقيع فدعا لهم واستغفر لهم وقال ( لِيهن لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع آخرها أولها، الآخرة شرٌّ من الأولى )، ثم قال ( يا أبا مُويْهبة إن الله خيَّرني ما بين خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وما بين لقاء ربي ثم الجنة فاخترت لقاء الله ثم الجنة )، فقال له مُويهبة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي اختر الخلد في الدنيا ثم الجنة، قال ( يا أبا مُويْهبة إنني اخترتُ لقاء الله ثم الجنة ).

ثم خرج يومًا عاصبًا رأسه فخطب على المنبر وقال ( إن رجلا خيره الله ما بين الدنيا ثم الجنة وما بين لقاء الله ثم الجنة ) فقال أبو بكرٍ: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله، وجعل يبكي فتعجب الناس من بكاء أبي بكر، ثم قال عليه الصلاة والسلام ( على رِسلك يا أبا بكر ) ومدح وأثنى على أبي بكرٍ رضي الله تعالى عنه كأنه يُشير إليه بالخلافة من بعده، ثم قبل وفاته بيوم تصدّق بالدنانير، تسعة أو سبعة كانت عنده، ثم أعتق غلمانه تحررًا من قيود الدنيا، ثم لم يُبق إلا بغلته وسيفه وشيئًا يتجمل به الأئمة والملوك بعده.

ثم إنه عليه الصلاة والسلام في يوم الإثنين الذي مات فيه كُشف ستار حجرة عائشة وأبو بكر رضي الله تعالى عنه يُصلي بالناس فأطل عليه الصلاة والسلام، يقول أنس: يتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وقرت عينه أن الأمة اجتمعت بعده على إمامٍ واحدٍ في صلاتها، فاقترب الناس وكادوا أن يُفتنوا، ثم أُعيد الستار كما كان ورجع صلى الله عليه وسلم إلى حجرته، وخرج أبو بكرٍ فرحًا إلى بيتٍ له بالسُنى حوالي المدينة، وتفرق الناس على الخير.

ثم دخل عليه صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم ابنته فاطمة فأسرها أنه سيموت في مرضه هذا فبكت، ثم قالت: واكرب أبتاه، قال ( ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم )، ثم إنه عليه الصلاة والسلام دخل عليه أسامة وجعل يسأله الدعاء فدعا له دون أن يرفع صوته، وهو نبي الأمة ورأس الملة وسيد الفصحاء وإمام البلغاء، ثم دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكرٍ وفي يد عبد الرحمن سواك، فجعل يحرك النظر فيه دون أن يستطيع أن يطلبه من عبد الرحمن ففهمت عائشة مراده فأخذته من أخيها وقضمته وطيبته وأعطته نبينا عليه الصلاة والسلام واستاك.

ثم جاءه الملك يُخيره، قال قبل أن يُخير يضع يده في ركوة فيها ماء ويمسح بها وجهه الطاهرة الشريفة ويقول ( لا إله إلا الله، اللهم إن للموت سكرات فأعني على سكرات الموت )، ثم جعل يُخيره الملك وهو يقول ( مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا )، والملك يخيره وهو يقول ( بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى )، قالها ثلاثًا ثم ماتت يده وفاضت روحه إلى أعلى عليين في الملكوت الأعلى والمحل الأسنى صلوات الله وسلامه عليه.

قال حسّان:

بطيبة رسم للنبي ومعهد منير وهل تمحو الرسوم وتهمد

بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد

معالم لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تجدد

 عرفت بها رسم الرسول وصحبه وقبرا به واراه في الترب مُلحد

 وهل عدلت يوما رزية هالك رزية يوم مات فيه محمد

 وما فقد الماضون مثل محمد ولا مثله حتى القيامة يُفقد

 صلى الإله ومن يحف بعرشه والطيِّبون على المُبارك أحمد


Post Top Ad

روابط الصفحات الاخرى

عن الموقع

مدونة droudandtvandfilm عربية وأخبار ومسلسلات وأفلام وبرامج وقنوات بث مباشر مدونة droudandtvandfilm عربية وأخبار ومسلسلات وأفلام وبرامج وقنوات بث مباشر Dread and TV and Film هو أكبر موقع تدوين عربي. يحتوي على جميع القنوات الاخبارية والمسلسلات والأفلام والبرامج. كما يتضمن قنوات حية. يتم تحديث كل هذه المعلومات يوميًا لتقريبك من برامجك ومسلسلات الأفلام المفضلة وغير ذلك الكثير.
إقرأ المزيد