الجزائر المحروسة
في يوم كيومنا هذا من عام 1541، عاشت مدينة
الجزائر يوماً ملحمياً كسرت فيه كبرياء الحلف الصليبي الأوروبي وأهانت فيه قائد هذا
الحلف الإمبراطور شارل الخامس "شارلكان" وهو في أوج قوته إذ كان يقال إنّ
الشمس لا تغيب على امبراطوريته.
كانت عدة الغزاة 516 سفينة على متنها أكثر
من 36.230 مقاتل مدججين بالسلاح الناري والمدفعية؛ بينما كان عدد القادرين على حمل
السلاح في مدينة الجزائر دون 6.000، في حين كان جيشها بعيداً يحارب بقيادة خير الدين
بربروس ضمن جيوش السلطان العثماني سليمان القانوني على ضفاف نهر الدانوب في جبهة المجر
والنمسا.
اختارت سفن الاستطلاع شواطئ حسين داي كنقطة
إنزال؛ بينما تركزت السفن الحربية بسواحل مدينة برج البحري؛ ورغم المقاومة فقد تمكن
الغزاة من إقامة معسكر بمنطقة الحامة. ثم حاصروا أسوار مدينة الجزائر، فقرّر الجزائريون
الاستشهاد دون مدينتهم لذلك طلبوا من "شارلكان" الإذن ليخرج النساء والأطفال
من المدينة.
وفي مثل هذا اليوم 25 أكتوبر 1541 بدأت المواجهة
الفاصلة بين الجيشين، فبينما صُعق فرسان مالطا بهجوم جزائري كاسح من فوق أسوار المدينة،
استدرج المقاتلون الجزائريون الجيشَ الإيطالي إلى داخل الأسوار، وهنالك أغلقوا دونهم
باب عزون وباب الوادي ومزّقوهم إرباً إرباً؛ فانتهت المواجهة في هذه الجبهة بفرار الغزاة.
قرّر "شارلكان" حينئذ أن يفتح بنفسه
جبهة قتال أخرى بجيشه الألماني، فدخل في مواجهة رجل لرجل مع سكان الجزائر، استبسل فيها
المجاهدون أيّما استبسال وكبّدوا "شاركان" وجنوده الألمان خسائر فادحة، في
يوم مطير، شديد البرودة، عاتي الرياح.
أما الإسبان فلم يستطيعوا قصف المدينة من المرتفعات
التي عسكروا عليها، لأن أسلحتهم النارية تعطّلت بسبب تسرب مياه الأمطار إلى مدافعهم
وذخيرتهم.
وفي عرض البحر كانت الأمواج المتلاطمة تقذف
بسفن "شارلكان" الواحدة على الأخرى فتتحطم كاللعب ويغرق معها عتادها وجيشها
وسط العويل ونداءات الاستغاثة.
ألجئ "شارلكان" إلى الهروب من المواجهة
وتشرّدت جيوشه على ساحل البحر، واضطر وجنوده إلى أكل خيولهم من فرط الجوع، ثم ذهبوا
برًّا إلى منطقة برج البحري ليهربوا بحراً على سفن القتال التي تركوها هناك.
لكن مجموعات القتال الجزائرية بقيت ترشقهم
حتى حاصرتهم بين وادي الحراش المضطرب وساحل البحر الهائج.
وعندما وصل شارلكان إلى سفنه يوم 28 أكتوبر
أفرغها من المدافع والذخيرة والخيول حتى يستطيع حمل جنوده. ولكنه لم يسلم من هجومات
الفرسان الجزائريين القادمين من ضواحي مدينة الجزائر، فازدادت خسائره وتأكّدت هزيمته
النكراء، وما إن غادرت آخر سفنه الميناء حتى هاج البحر من جديد فغرقت سفن حربية مرصوصة
بالجنود الهاربين.
تزوّر بعض المصادر التاريخية الفرنسية أحداث
التاريخ وتبثُّ رسائل التمييز والتخوين وتنحو إلى استصغار خسائر شارلكان، لكن التقرير
الذي أرسله كاتب الفاتيكان إلى البابا بولس الثالث الذي كان قد أمر شخصياً بهذا الغزو،
يتحدث عن حوالي 12.000 قتيل، وغرق 150 سفينة،
وفقدان حوالي 200 مدفع استعملت فيما بعد في تحصين المدينة؛ ويكفي أن نقرأ في تقريره
أن كل المنطقة الممتدة من أسوار المدينة غرباً إلى وادي كنيس شرقا كانت مفروشة بجثامين
الغزاة وأحصنتهم النافقة وبقايا حطام سفنهم المحطّمة.
استحقت مدينة الجزائر منذ ذلك اليوم لقب [الجزائر
المحروسة]، كيف لا وقد حرسها الله تعالى في مثل هذه الأيام برجال أشاوس قاتلوا دون
بيضة الإسلام وهم قلة مستضعفون، وحرسها بمدد العاصفة الهوجاء التي ضربت ميدان المعركة
كما ضربت من قبل ميدان غزوة الخندق لنصرة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وهم
مستضعفون تحاصرهم الأحزاب من كلِّ جانب في المدينة المنورة.
قال الله تعالى: ((يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ
ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا
عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ
بَصِيرًا)) [الأحزاب: 9].